الغزالي
23
إحياء علوم الدين
وكذا حصول مثل مطابق لحقيقة العلوم في القلب يسمى علما . وكما أن المرآة لا تنكشف فيها الصورة لخمسة أمور . أحدها : نقصان صورتها ، كجوهر الحديد قبل أن يدور ويشكل ويصقل والثاني : لخبثه وصدئه وكدورته ، وإن كان تام الشكل والثالث : لكونه معدولا به عن جهة الصورة إلى غيرها ، كما إذا كانت الصورة وراء المرآة والرابع : لحجاب مرسل بين المرآة والصورة والخامس : للجهل بالجهة التي فيها للصورة المطلوبة ، حتى يتعذر بسببه أن يحاذى بها شطر الصورة وجهتها فكذلك القلب مرآة مستعدة لأن ينجلي فيها حقيقة الحق في الأمور كلها . وإنما خلت القلوب عن العلوم التي خلت عنها لهذه الأسباب الخمسة أولها : نقصان في ذاته ، كقلب الصبي ، فإنه لا ينجلي له المعلومات لنقصانه . والثاني : لكدورة المعاصي والخبث الذي يتراكم على وجه القلب من كثرة الشهوات ، فإن ذلك يمنع صفاء القلب وجلاءه فيمتنع ظهور الحق فيه لظلمته وتراكمه . وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا » أي حصل في قلبه كدورة لا يزول أثرها . إذ غايته أن يتبعه بحسنة يمحوه بها ، فلو جاء بالحسنة ولم تتقدم السيئة ، لازداد لا محالة إشراق القلب . فلما تقدمت السيئة ، سقطت فائدة الحسنة ، لكن عاد القلب بها إلى ما كان قبل السيئة ، ولم يزدد بها نورا . فهذا خسران مبين ، ونقصان لا حيلة له . فليست المرآة التي تتدنس ثم تمسح بالمصقلة ، كالتي تمسح بالمصقلة لزيادة جلائها من غير دنس سابق . فالإقبال على ظلمة الله ، والإعراض عن مقتضى الشهوات ، هو الذي يجلو القلب ويصفيه . ولذلك قال الله تعالى * ( والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) * « 1 » وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم »
--> « 1 » العنكبوت : 69