الغزالي

21

إحياء علوم الدين

وأما الآثار المذمومة ، فإنها مثل دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب ، ولا يزال يتراكم عليه مرة بعد أخرى ، إلى أن يسود ويظلم ، ويصير بالكلية محجوبا عن الله تعالى ، وهو الطبع وهو الرين . قال الله تعالى * ( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * « 1 » وقال عز وجل * ( أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) * « 2 » فربط عدم السماع بالطبع بالذنوب ، كما ربط السماع بالتقوى . فقال تعالى * ( واتَّقُوا الله واسْمَعُوا ) * « 3 » * ( واتَّقُوا الله ويُعَلِّمُكُمُ الله ) * « 4 » ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلوب ، وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق وصلاح الدين ، ويستهين بأمر الآخرة ، ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصور الهم عليها . فإذا قرع سمعه أمر الآخرة وما فيها من الأخطار ، دخل من أذن وخرج من أذن ، ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة والتدارك ، أولئك الذين يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب ، كما نطق به القرءان والسنة . قال ميمون بن مهران إذا أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإذا هو نزع وتاب ، صقل ، وإن عاد زيد فيها حتى يعلو قلبه ، فهو الران . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر ، وقلب الكافر أسود منكوس » فطاعة الله سبحانه بمخالفة الشهوات مصقلة للقلب ، ومعاصيه مسوّدات له . فمن أقبل على المعاصي اسودّ قلبه ، ومن أتبع السيئة الحسنة ومحا أثرها لم يظلم قلبه ، ولكن ينقص نوره ، كالمرآة التي يتنفس فيها ثم تمسح ، ويتنفس ثم تمسح ، فإنها لا تخلو عن كدورة . وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أسود منكوس فذلك قلب الكافر وقلب أغلف مربوط على غلافه فذلك قلب المنافق وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة

--> « 1 » المطففين : 14 « 2 » الأعراف : 100 « 3 » المائدة : 108 « 4 » البقرة : 282