الغزالي

20

إحياء علوم الدين

وأما طاعة كلب الغضب ، فتنتشر منها إلى القلب صفة التهور ، والبذالة والبذخ ، والصلف والاستشاظة ، والتكبر والعجب ، والاستهزاء والاستخفاف وتحقير الخلق ، وإرادة الشر ، وشهوة الظلم وغيرها وأما طاعة الشيطان بطاعة الشهوة والغضب ، فيحصل منها صفة المكر والخداع . والحيلة والدهاء . والجراءة ، والتلبيس والتضريب والغش ، والخب والخنا وأمثالها ولو عكس الأمر ، وقهر الجميع تحت سياسة الصفة الربانية ، لاستقر في القلب من الصفات الربانية العلم والحكمة واليقين ، والإحاطة بحقائق الأشياء ، ومعرفة الأمور على ما هي عليه والاستيلاء على الكل بقوة العلم والبصيرة ، واستحقاق التقدم على الخلق لكمال العلم وجلاله ولاستغنى عن عبادة الشهوة والغضب ، ولانتشر إليه من ضبط خنزير الشهوة ورده إلى حد الاعتدال صفات شريفة ، مثل العفة ، والقناعة والهدو ، والزهد والورع والتقوى ، والانبساط وحسن الهيئة ، والحياء والظرف ، والمساعدة وأمثالها . ويحصل فيه من ضبط قوة الغضب وقهرها ، وردها إلى حد الواجب ، صفة الشجاعة والكرم والنجدة ، وضبط النفس والصبر ، والحلم والاحتمال والعفو ، والثبات والنبل ، والشهامة والوقار وغيرها فالقلب في حكم مرآة قد اكتنفته هذه الأمور المؤثرة فيه ، وهذه الآثار على التواصل واصلة إلى القلب . أما الآثار المحمودة التي ذكرناها ، فإنها تزيد مرآة القلب جلاء وإشراقا ونورا وضياء ، حتى يتلألأ فيه جلية الحق ، وينكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب في الدين وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه » وبقوله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ » وهذا القلب هو الذي يستقر فيه الذكر . قال الله تعالى * ( أَلا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) * « 1 »

--> « 1 » الرعد : 28