الغزالي
176
إحياء علوم الدين
في الخلاص . فأشبه أحواله بهم البعد ، وأبعد المواضع عن الأطراف الوسط . فصار الوسط مطلوبا في جميع هذه الأحوال المتقابلة . وعنه عبر بقوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « خير الأمور أوساطها » وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا ) * « 1 » ومهما لم يحس الإنسان بجوع ولا شبع ، تيسرت له العبادة والفكر ، وخف في نفسه وقوى على العمل مع خفته . ولكن هذا بعد اعتدال الطبع . أما في بداية الأمر ، إذا كانت النفس جموحا ، متشوقة إلى الشهوات ، مائلة إلى الإفراط ، فالاعتدال لا ينفعها بل لا بد من المبالغة في إيلامها بالجوع ، كما يبالغ في إيلام الدابة التي ليست مروضة بالجوع والضرب وغيره ، إلى أن تعتدل . فإذا ارتاضت واستوت ورجعت إلى الاعتدال ، ترك تعذيبها وإيلامها . ولأجل هذا السر ، يأمر الشيخ مريده بما لا يتعاطاه هو في نفسه . فيأمره بالجوع وهو لا يجوع . ويمنعه الفواكه والشهوات وقد لا يمتنع هو منها . لأنه قد فرغ من تأديب نفسه ، فاستغنى عن التعذيب . ولما كان أغلب أحوال النفس الشره والشهوة والجماح ، والامتناع عن العبادة ، كان الأصلح لها الجوع ، الذي تحس بألمه في أكثر الأحوال لتنكسر نفسه . والمقصود أن تنكسر حتى تعتدل ، فترد بعد ذلك في الغذاء أيضا إلى الاعتدال وإنما يمتنع من ملازمة الجوع من سالكي طريق الآخرة ، إما صديق ، وإما مغرور أحمق أما الصديق ، فلاستقامة نفسه على الصراط المستقيم ، واستغنائه عن أن يساق بسياط الجوع إلى الحق وأما المغرور ، فلظنه بنفسه أنه الصديق المستغنى عن تأديب نفسه ، الظان بها خيرا ، وهذا غرور عظيم ، وهو الأغلب . فإن النفس قلما تتأدب تأدبا كاملا ، وكثيرا ما تغتر فتنظر إلى الصديق ومسامحته نفسه في ذلك ، فيسامح نفسه . كالمريض ينظر إلى من قد صح من مرضه ، فيتناول ما يتناوله ، ويظن بنفسه الصحة فيهلك والذي يدل على أن تقدير الطعام بمقدار يسير ، في وقت مخصوص ، ونوع مخصوص ، ليس مقصودا في نفسه ، وإنما هو مجاهدة نفس متنائية عن الحق ، غير بالغة رتبة الكمال ،
--> « 1 » الأعراف : 31