الغزالي
105
إحياء علوم الدين
بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق على الجملة قد عرفت أن حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل ، وكمال الحكمة ، وإلى اعتدال قوة الغضب والشهوة ، وكونها للعقل مطيعة ، وللشرع أيضا . وهذا الاعتدال يحصل على وجهين أحدهما بجود إلهي ، وكمال فطرى ، بحيث يخلق الإنسان ويولد كامل العقل ، حسن الخلق ، قد كفى سلطان الشهوة والغضب ، بل خلقتا معتدلتين منقادتين للعقل والشرع فيصير عالما بغير تعليم ، ومؤدبا بغير تأديب ، كعيسى بن مريم ، ويحيى بن زكريا عليهما السلام ، وكذا سائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين . ولا يبعد أن يكون في الطبع والفطرة ما قد ينال بالاكتساب . فرب صبي خلق صادق اللهجة ، سخيا جريا ، وربما يخلق بخلافه فيحصل ذلك فيه بالاعتياد ومخالطة المتخلقين بهذه الأخلاق . وربما يحصل بالتعلم والوجه الثاني اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة ، وأعنى به حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب . فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود ، فطريقه أن يتكلف تعاطى فعل الجواد ، وهو بذل المال . فلا يزال يطالب نفسه ، ويواظب عليه تكلفا ، مجاهدا نفسه فيه ، حتى يصير ذلك طبعا له ، ويتيسر عليه ، فيصير به جوادا . وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع ، وقد غلب عليه الكبر ، فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة ، وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلف ، إلى أن يصير ذلك خلقا له وطبعا ، فيتيسر عليه . وجميع الأخلاق المحمودة شرعا تحصل بهذا الطريق . وغايته أن يصير الفعل الصادر منه لذيذا . فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال الذي يبذله ، دون الذي يبذله عن كراهة . والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع . ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس ، ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة ، وما لم تترك جميع الأفعال السيئة . وما لم تواظب عليها مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ، ويتنعم بها ، ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها . كما قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « وجعلت قرّة عيني في الصّلاة » ومهما كانت