الغزالي
106
إحياء علوم الدين
العبادات ، وترك المحظورات ، مع كراهة واستثقال ، فهو النقصان . ولا ينال كمال السعادة به . نعم المواظبة عليها بالمجاهدة خير ، ولكن بالإضافة إلى تركها ، لا بالإضافة إلى فعلها عن طوع . ولذلك قال الله تعالى * ( وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ) * « 1 » وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « اعبد الله في الرّضا فإن لم تستطع ففي الصّبر على ما تكره خير كثير » ثم لا يكفي في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق ، استلذاذ الطاعة ، واستكراه المعصية ، في زمان دون زمان ، بل ينبغي أن يكون ذلك على الدوام ، وفي جملة العمر . وكلما كان العمر أطول ، كانت الفضيلة أرسخ وأكمل . ولذلك لما سئل صلى الله عليه وسلم عن السعادة فقال [ 2 ] « طول العمر في طاعة الله تعالى » ولذلك كره الأنبياء والأولياء الموت فإن الدنيا مزرعة الآخرة . وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر ، كان الثواب أجزل والنفس أزكى وأطهر ، والأخلاق أقوى وأرسخ . وإنما مقصود العبادات تأثيرها في القلب وإنما يتأكد تأثيرها بكثرة المواظبة على العبادات . وغاية هذه الأخلاق أن ينقطع عن النفس حب الدنيا ، ويرسخ فيها حب الله تعالى . فلا يكون شيء أحب إليه من لقاء الله تعالى عزّ وجل . فلا يستعمل جميع ماله إلا على الوجه الذي يوصله إليه . وغضبه وشهوته من المسخرات له ، فلا يستعملهما إلا على الوجه الذي يوصله إلى الله تعالى . وذلك بأن يكون موزونا بميزان الشرع والعقل ثم يكون بعد ذلك فرحا به ، مستلذا له . ولا ينبغي أن يستبعد مصير الصلاة إلى حد تصير هي قرة العين ، ومصير العبادات لذيذة فإن العادة تقتضي في النفس عجائب أغرب من ذلك . فإنا قد نرى الملوك والمنعمين في أحزان دائمة ، ونرى المقامر المفلس قد يغلب عليه من الفرح واللذة بقماره وما هو فيه ، ما يستثقل معه فرح الناس بغير قمار . مع أن القمار ربما سلبه ماله ، وخرب بيته ، وتركه مفلسا ،
--> « 1 » البقرة : 45