الغزالي

104

إحياء علوم الدين

والذي يدل على أن المطلوب هو الوسط في الأخلاق دون الطرفين ، أن السخاء خلق محمود شرعا ، وهو وسط بين طرفي التبذير والتقتير . وقد أثنى الله تعالى عليه فقال * ( والَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) * « 1 » وقال تعالى * ( ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) * « 2 » وكذلك المطلوب في شهوة الطعام الاعتدال دون الشره والجمود . قال الله تعالى * ( وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إِنَّه ُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) * « 3 » وقال في الغضب * ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) * « 4 » وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « خير الأمور أوساطها » وهذا له سر وتحقيق ، وهو أن السعادة منوطة بسلامة القلب عن عوارض هذا العالم . قال الله تعالى * ( إِلَّا من أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) * « 5 » والبخل من عوارض الدنيا . والتبذير أيضا من عوارض الدنيا . وشرط القلب أن يكون سليما منهما ، أي لا يكون ملتفتا إلى المال ، ولا يكون حريصا على إنفاقه ولا على إمساكه . فإنّ الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق ، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك فكان كمال القلب أن يصفو عن الوصفين جميعا . وإذا لم يكن ذلك في الدنيا طلبنا ما هو الأشبه لعدم الوصفين ، وأبعد عن الطرفين ، وهو الوسط . فإن الفاتر لا حار ولا بارد ، بل هو وسط بينهما ، فكأنه خال عن الوصفين . فكذلك السخاء بين التبذير والتقتير . والشجاعة بين الجبن والتهور . والعفة بين الشره والجمود . وكذلك سائر الأخلاق . فكلا طرفي الأمور ذميم . هذا هو المطلوب . وهو ممكن . نعم يجب على الشيخ المرشد للمريد أن يقبح عنده الغضب رأسا ، ويذم إمساك المال رأسا ، ولا يرخص له في شيء منه ، لأنه لو رخص له في أدنى شيء اتخذ ذلك عذرا في استبقاء بخله وغضبه ، وظن أنه القدر المرخص فيه . فإذا قصد قطع الأصل ، وبالغ فيه ، ولم يتيسر له إلا كسر سورته ، بحيث يعود إلى الاعتدال ، فالصواب له أن يقصد قلع الأصل ، حتى يتيسر له القدر المقصود ، فلا يكشف هذا السر للمريد ، فإنه موضع غرور الحمقى ، إذ يظن بنفسه أن غضبه بحق ، وأن إمساكه بحق .

--> « 1 » الفرقان : 67 « 2 » الاسراء : 29 « 3 » الأعراف : 31 « 4 » الفتح : 29 « 5 » الشعراء : 89