السيد محمد حسين فضل الله
42
من وحي القرآن
القاعدة العلمية التي ترى في الشك طريقا إلى اليقين ، وترفض القناعات القائمة على أساس إهمال الحوار وإغفال الفكر والإصرار على العناد ، مما يجعل من الحوار الفكري حركة إيجابية في الجواب عن علامات الاستفهام المنفتحة على كل آفاق الحرية في المعرفة ، بما يثيره العقل من قضايا ومشاكل وآراء . وقد جاءت هذه الآية لتؤكد على هذه القاعدة الفكرية الحوارية التي تؤكد قاعدة « الشك في طريق اليقين » ، فأكدت على أن الأسلوب العملي السليم هو الذي يعتمد على تفريغ الموقف من الأفكار المسبقة التي تحوّل الموقف إلى عقدة تفرض نفسها على كل مواطن الحوار ، وتشكّل حاجزا يمنع الأطراف من الشعور بحريّة الحركة في ما يقبلون ويرفضون ، ويتمثل ذلك في اعتبار الشك في الفكرة موقفا مشتركا بين الطرفين ، يوحي لكلّ منهما بضرورة إعادة النظر في القضية ومحاولة مواجهتها من جديد ، كما لو لم يواجهها من قبل ، فليس هناك حكم سابق من أيّ من الطرفين على الخصم بالهدى أو بالضلال ، بل هو الموقف المشترك الذي يريد أن يصل إلى الحقيقة من خلال الحوار الإيجابي القائم على الوعي والشعور العميق بالحاجة إلى الوقوف مع خط الإيمان بالنتائج أيّا كانت ، وهذا ما تجسّده هذه الآية ، فقد نلاحظ أن النبي - كما علّمه اللَّه - لم يعط في أسلوبه هذا لنفسه صفة الهدى ، ولم يدمغ خصمه بصفة الضلال ، مع إيمانه العميق بأن المسألة في واقعها الأصيل لا تبتعد عن ذلك ، ليترك الحوار يأخذ مجراه دون تعقيد وصولا إلى النتيجة الحاسمة من موقع الحرية الفكرية المنطلقة مع الحوار في الخط الصحيح . وقد تكون قيمة هذا الأسلوب أنه يجرد الموقف من أيّة حساسيات إيحائية في النظرة إلى الذات ، وإلى الآخرين ، حيث يترك الفكرة بعيدة عن الالتزامات المؤيدة في جانب صاحبها ، أو المضادة في الجانب الآخر ، خلافا للطريقة المعروفة في الأسلوب المطروح علميا للحوار ، الذي يقول : « رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب » بينما الطرح القرآني