السيد محمد حسين فضل الله
22
من وحي القرآن
ولقد آتينا داود فضلا في القرآن لمحات خاطفة عن النبيّ داود ، في فضل اللَّه عليه مما أولاه من نعمه ، وفي دوره في موقع الخلافة في الأرض على مستوى الحكم ، وفي بعض اللقطات الجزئية من أحكامه ، وهناك حديث عابر عن بعض ما آتاه اللَّه من نعمه ، في ما يوحي ذلك بقربه منه . * وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا فأوحينا إلى الجبال يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وألهمناها وَالطَّيْرَ مثل ذلك ، فكان داود يفتح قلبه للّه ، ويحرك شفتيه بذكره ، وينطلق التسبيح الخاشع من كل روحه ، كلمات مثل السحر ، وصوتا في صفاء النور ونقاء الينبوع يهمي ويهمي فتنساب منه الأنغام في عفويّة الترنيمة الحلوة وفي غيبوبة المشاعر الحالمة ، فتمتزج حلاوة صوته بحلاوة كلماته ، ليمتزجا معا بالحب الإلهي في قلبه ، حتى كان الحديث عن مزامير داود ، الذي كانت مناجاته كمثل المزامير في حلاوة النغم ، وعذوبة اللحن ، من دون تكلّف ولا تعقيد ، وهكذا كانت الجبال تسبّح معه ، وترجّع كل أصداء الكلمات ، وكل تقاطيع النغمات ، وكانت الطير تنسجم في أجواء التسبيح معه ، فتشعر كما لو كان الكون كله ينطلق - من خلاله - في تسبيحة واحدة للّه الواحد القهار . كيف نفهم تسبيح الجبال والطير ؟ وقد نستطيع الأخذ بظاهر القرآن - في ما لم يثبت استحالته أو خلافه - فلا نرى أيّ مانع من أن ترجّع الجبال صدى صوته ، والطير نغمات تسبيحه