السيد محمد حسين فضل الله

23

من وحي القرآن

بالطريقة الحسيّة المادية : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] في ما أبدعه اللَّه في تكوينها من ذلك في مسار التجربة الخاصة لداود عليه السّلام . على أن هناك آخرين لا يقتصرون في التصرف بظاهر القرآن على المورد الذي لا يتفق فيه الظاهر مع الحقيقة القطعية ، حيث يكون الأخذ بالظاهر مرادفا للأخذ بالمستحيل أو الذي لا يتفق فيه مع الدليل الثابت بشكل مقبول ، بل يجدون الاطمئنان العقلي أو النفسي عندما تتوفر الأجواء المحيطة بالموضوع كافيا في الخروج عن الظاهر ، فهم في الوقت الذي لا ينكرون فيه أن يكون للجبال وعي التسبيح في ما لا نفهمه منها ، أو يكون للطير وعي الانسجام مع داود بطريقة إراديّة ، لا يجدون المسألة قريبة من الذهنية العامة التي يخاطب فيها القرآن الناس في تصورهم للأشياء من خلال المفردات الحسية الموجودة لديهم ، إذ يبدو أن ترجيع الجبال أو تسبيح الطير معه وارد على سبيل الاستعارة ، تماما كما يقول الناس إن الكون كله يتحرك معه ، أو يسبّح معه ، ونحو ذلك . وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ فجعلناه ليّنا في يديه يتصرف به كيف يشاء ، ويصنعه كما يريد ، أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وهي الدروع الواسعة ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي اقتصد فيه واجعله متناسقا متناسبا في حلقاته . وهكذا هيّأ اللَّه له هذه المهنة المهمّة وهي صنع الدروع ليستطيع أن يعيش من كدّ يمينه ، ليكون قدوة للناس ، لا سيّما العاملين في الخط الديني الرسالي الذين تسمح لهم مواقع نشاطهم بالعمل في سبيل العيش ليعرفوا أن العمل شرف للعامل ، ورسالة في حياته من خلال علاقته بالهدف الكبير في حركة المسؤولية . وقد ثار جدل كبير بين المفسرين ، حول ما إذا كانت هذه الإلانة للحديد لداود ، جارية على سبيل الإعجاز ، كما هو الظاهر من النسبة المباشرة للّه ، ومن اعتبار هذا الأمر كرامة لداود ، وميزة له على الآخرين ، أو كانت جارية على الوضع الطبيعي ، ليكون الحديث عنه كالحديث عن كل الأفعال الإرادية