السيد محمد حسين فضل الله
18
من وحي القرآن
مُنِيبٍ : راجع . الكافرون يستغربون فكرة البعث والقرآن يردّ هل يملك الكافرون بالآخرة غير أساليب السخرية والاستهزاء ، عندما تعوزهم أساليب الفكر والعلم ؟ هكذا كان موقفهم أمام فكرة الإيمان بالآخرة التي قدّمها النبيّ ، كما قدّمها الأنبياء من قبله ، على أساس إمكان الفكرة في مضمونها العقيدي ، وعلى أساس صدقها من خلال صدق الوحي النازل من اللَّه سبحانه وتعالى . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالآخرة ، وهم يشيرون إلى رسول اللَّه بإشارات توحي بالاستهزاء ، وتدعو إلى الإنكار والاستغراب ، ليطرحوا المسألة التي يثيرها في دعوته ، كما لو كانت من المسائل غير القابلة للنقاش ، لأن الفكر العاديّ يرفضها بشكل عفويّ سريع من دون مناقشة ، هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ وتقطعت أوصالكم ، وتفرقت أجسادكم ، حتى تحوّلت إلى عظام نخرة موزعة بين نواحي الأرض ، وإلى ذرأت ضائعة في التراب ، إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ كما كنتم في الخلق الأوّل في حيوية الحياة وحركتها ونضارتها وتجدّدها وفاعليتها ! إنه كلام غير معقول ، ومع ذلك ، فإنه ينسبه إلى وحي اللَّه ، أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فهو شخص يملك عقله ، ويفكر بطريقة واعية ، للوصول إلى هدف شخصيّ معين ، فيتعمّد الكذب على اللَّه ، ليعطي لكلامه قداسة الأنبياء ، أَمْ بِهِ جِنَّةٌ فهو يتكلم بما لا يعقل ، فيلقي الكلام جزافا ، من دون وعي لما يدل عليه ، ومن غير قصد لما ينتهي إليه من أمور .