السيد محمد حسين فضل الله
19
من وحي القرآن
إنهم يخاطبون السطح الساذج للذهنية العامة ، ويطرحون المسألة على أساس أنها دائرة بين احتمالين ، لا ثالث لهما ، ليبعدوا الناس عن التفكير في المضمون الجدي والنتيجة الحاسمة المتصلة بقضية المصير ، لأنهم لا يريدون للناس أن تفكر ، ويعملون على أساس تطويق الحالة الفكرية بالحرب النفسية التي لا تسمح للفكر أن يتحرك في الاتجاه السليم لمناقشة القضايا المطروحة ، بالإيحاء بأنها ليست مما يوحي بالتأمل ، بل مما يوحي بالدهشة والاستغراب أو الاستهزاء بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ وهذا هو الرد القرآني الذي يطرح المسألة بالأسلوب نفسه الذي يطرحون به هذين الاحتمالين ، ليصدم الموقف بطريقة سريعة ، تحتوي المشاعر ، وتخفف تأثير الآخرين عليها ، ثم تبدأ في مناقشة الأمور بطريقتها الخاصة . فهؤلاء هم الذين يعيشون في الضلال الغارق في التيه البعيد في مواقعه الممتدة في صحراء الجهل والتخلف والظلام ، كما يعيشون في مواقع العذاب الذي ينتظرهم جزاء لكفرهم الذي لا يملكون فيه أيّة حجّة ، ولا يستندون معه إلى ركن وثيق . إن المشكلة في الموقف ، هي مشكلتهم في ما يتخبّطون به ، وليست مشكلة النبي في ضلال طروحاته ليدور الأمر بين احتمال كذبه واحتمال جنونه . أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ومن هو الذي يمسك السماء أن تسقط ، وهو القادر على أن يسقطها ، أو يسقط الشهب قطعا ، أو يرسل الصواعق الملتهبة الحارقة فيصيب بها من يشاء ؟ ومن الذي يمسك الأرض السابحة في الفضاء ، أن تهتز وتزول ، وهو القادر على أن يخسفها ويزلزلها ؟ وكيف تتحركان بإرادته وقدرته وتدبيره إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ كما خسفنا بمن قبلهم من الذين ابتلعتهم الأرض بزلزالها أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ بتساقط الشهب ، أو تحريك الصواعق . فلما ذا لا يفكرون بقدرة اللَّه الشاملة التي لا تقف عند حدّ ليدركوا من خلالها كيف يتّقونه ويخافونه ويحسبون حسابه في كل الأمور ، ولا يستعجلون الحكم على الأشياء ، لا سيّما