السيد محمد حسين فضل الله
63
من وحي القرآن
الذي يحول بين الناس وبين سماع كلمة اللّه . وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً فليكن القرآن بمفاهيمه الحقة ، ووسائله القوية الدامغة ، وأساليبه المتنوعة ، هو القوّة التي توجهها إلى مفاهيمهم الزائفة ، وخططهم الضالة ، وأفكارهم المنحرفة ، وذلك هو الخط الذي يجب على الدعاة إلى اللّه حمله ، في مواجهتهم للكفر كله ، وللشرك كله ، وهو خط الجهاد بالكلمة والحركة والممارسة على مستوى الفكرة والحياة ، وبكل الوسائل التي تمثل الصدمة القويّة في ساحة الصراع . وتعود الآيات من جديد لتثير أمام الوعي الفكري للإنسان ، مظاهر قدرة اللّه في الكون ، لينفتح على عظمة اللّه ، فيقوده ذلك إلى الإذعان بتوحيده ، عندما يدخل في مقارنة دقيقة ، بين ما هو اللّه في قدرته ، وما هو الإنسان في عجزه ، وما هي الأصنام في جمودها وحقارتها . وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ وخلط بينهما من دون أن يفقد كل واحد منهما خصوصيته الذاتية هذا عَذْبٌ فُراتٌ طيب الطعم ، كثير العذوبة وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ أي ماء شديد الملوحة وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً حاجزا خفيّا من صنع قدرته بحيث يمنع التفاعل بينهما في عملية تأثر وتأثير ، وَحِجْراً مَحْجُوراً أي حراما محرّما أن ينفذ أحدهما إلى عمق الآخر ، فيختلط به ويبدّل طعمه . وربما كان في ذلك « تنظير لأمر الرسالة من حيث تأديتها إلى تمييز المؤمن من الكافر مع كون الفريقين يعيشان على أرض واحدة ، مختلطين ، وهما - مع ذلك - غير متمازجين . . » كما يقول بعض المفسرين « 1 » . وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً إذ خلق النطفة التي هي ماء مهين يخرج من الرجل فيلقح بويضة المرأة ، فيتحوّل إلى بشر ، فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً الذي
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 228 .