السيد محمد حسين فضل الله
64
من وحي القرآن
يحصل به التحريم من جهة الرجل ، وهو النسب ، ومن جهة المرأة ، وهي المصاهرة . ويذكر صاحب تفسير الميزان ، أن « هذا تنظير آخر يفيد ما تفيده الآية السابقة ، أن للّه سبحانه أن يحفظ الكثرة في عين الوحدة ، والتفرق في عين الاتحاد ، وهكذا يحفظ اختلاف النفوس والآراء بالإيمان والكفر ، مع اتحاد المجتمع البشري الذي بعث اللّه الرسل ، لكشف حجاب الضلال الذي من شأنه غشيانه لولا الدعوة الحقة » « 1 » ، وهو أمر طريف ، ولكن ذلك غير ظاهر من سياق الآية ، فإن الظاهر منه ، أن الحديث موجّه للإيحاء بالجانب الفكري العقيدي للتوحيد ، في مواجهة الشرك . وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً قادرا على إبداع حياة متنوعة متحركة من الماء ، وينشئ من ذلك علاقات مختلفة في المجتمع الإنساني ، في علاقاته المتشابكة المعقّدة ، وذلك هو البرهان القاطع على أن اللّه - هو وحده - القادر على الكون كله وعلى الحياة كلها ، في النفع والضرر . وبذلك كان هو - وحده - المعبود الذي يستحق العبوديّة ، ويتفرد بالألوهية ، ولكن هؤلاء المشركين الذين استسلموا لتقاليدهم المتحجرة الموروثة عن الآباء والأجداد ، يعيشون التخلف في العقيدة والعبادة ، عندما يلتزمون الأصنام في مواقع الآلهة ، ويعبدونها من دون معنى . . وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ فلا يملكون أساسا لذلك في براهين الفكر أو إحساس الوعي ، ولا في الواقع في عطائه وحركته ، لأن هذه الأصنام تمثل الجمود كله ، والعجز كله ، والتخلف كله ، في الشكل والمضمون . وهذا يوحي إلينا بأن الكفر لم ينشأ من حالة وعي منفتح على الوثنية ،
--> ( 1 ) ( م . س ) ، ج : 15 ، ص : 228 .