السيد محمد حسين فضل الله

62

من وحي القرآن

فهو ملاحظة هذا التوزيع العادل في إنزال الماء على العباد ، ليتعرفوا منه عظمة اللّه ورحمته ، فيذكروا اللّه في إيمانهم . أمّا من خلال المعنى الثاني ، فواضح في تكرّر أمثال هذه الآية في القرآن ، حيث تتنوع أساليب القرآن في توعية الناس بالمفاهيم التوحيدية ، وإذا ما عاشوها ، تذكروا وخرجوا عن أجواء الغفلة التي يعيشون فيها ، ولكن فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً لأنهم لم ينفتحوا على المعاني المتنوعة بوعي وفكر وتأمّل ، بل واجهوا ذلك مواجهة اللامبالاة ، فأعرضوا ، وكان نتيجة ذلك الكفر بالنعمة ، والعقيدة التوحيدية . وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فقد كان لكل أهل قرية نبيّ يبلغهم رسالات اللّه ، ولكن المسألة ليست تعدد الأنبياء والمنذرين ، لأن العدد ليس هو الأساس ، بل المسألة هي قيام النبي برسالته في امتداد الساحات التي تمثل خط المسؤولية لديه ، فيما يقوم به من إبلاغ وإنذار ، وفي إبلاغها وإنذار الناس بعذاب اللّه لمن يجحد ويكفر ، واستعداد الناس للاستماع إليه ، ولذلك أرسلناك - يا محمد - إلى القرى كلها ، وإلى العالمين كلهم . . لأنك النبيّ الذي يستطيع الاضطلاع بالمهمة الكبرى في إيصال الرسالة إلى كل قلب ، وفي إدخال القرآن إلى كل أذن ، قد اطلع على امتداد فكرك وروحك وحركتك بما يشمل الحياة كلها ويحتوي الرسالة كلها بطريق مباشر أو غير مباشر . فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ الذين يريدون لك الانسحاب من ساحة الدعوة إلى توحيد اللّه ، وإلى مواجهة الوثنية في أصنامها وفي تقاليدها وفي شرائعها ، لتحصل على رضاهم ، فإنهم لا يريدون لك ، وللناس كلهم ، خيرا من ذلك كله ، بل يريدون الشر كله عبر انحرافهم عن خط الإيمان باللّه وبوحدانيته ، ودعوتهم إلى الالتزام بالخط المنحرف في العقيدة والشريعة والسلوك ، فلا تطعهم ، وأطع اللّه في كل ما أمرك به أو نهاك عنه ، وأراده لك من حمل رسالته وإبلاغها إلى الناس كافة ، ومجاهدة كل من يقف في مواجهتها ، ليكون الحاجز