السيد محمد حسين فضل الله

61

من وحي القرآن

حاجات الحياة ، ولطلب الرزق ، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ تبشر بهطول المطر وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً والمراد بالسماء جهة العلو في أجواء الفضاء التي تطل على الأرض ، فجعلنا السحاب المرتفع يحمل ماء طهورا يطهّر كل شيء يصل إليه ، إذ يزيل الأوساخ ويذهب بالأرجاس والأحداث . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً لا نبات فيها ولا حياة ، فتدب فيها الحياة من جديد ، فيهتز العشب ، وتنفتح البذور ، ويخضرّ الزرع وينمو ويمتد ، ويتدلى الثمر ، وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً وكلهم يحتاجون الماء الذي هو سرّ بقاء الحياة في الجسد ، فلولاه لما أمكن للحياة أن تبقى أو تنمو وتتحرك ، وذلك كله دليل عظمة اللّه في خلقه ، ورحمته في نعمته ، وحاجة الحياة كلها في النبات والحيوان والإنسان إليه ، في تدبيره وحكمته ، مما يجعل ارتباط الجميع به بالمستوى الذي يستمد كل شيء حياته منه ، في البدء والامتداد ، وهذا ما يجب على الناس أن يتأملوه ويفكروا فيه ، ليتعرفوا حقيقة التوحيد ، في مواجهة خط الكفر والرشد ، من خلال النظرة الواعية العميقة ، والتفكير الصافي المنفتح . وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا قيل : إن الضمير في كلمة صَرَّفْناهُ يعود إلى الماء الذي تقدم ذكره في الآية السابقة ، ليكون المعنى ، صرفه من قوم إلى قوم في عملية توزيع عادلة ، فلا يدوم نزوله على قوم ليهلكوا ، أو ينقطع عن قوم دائما ليهلكوا ، بل يدور بينهم لينال كل قوم نصيبهم منه بحسب المصلحة . ويمكن أن يكون المراد تصريف الذكر وتنويعه بحسب الأساليب المختلفة في تقريب الفكرة إلى النفوس ، وذلك عبر ما تقدم من الحديث عن القرآن بطريقة وبأخرى . أمّا ارتباط التذكير ، كهدف ، من خلال المعنى الأول ،