السيد محمد حسين فضل الله
51
من وحي القرآن
وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ممن جاء من بعدهم من الأجيال ، وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ في ما أردنا تذكيرهم ووعظهم وإرشادهم ليتحركوا في خط التوحيد على هدى الرسالات الإلهية ، ولكنهم لم يصدّقوا الأنبياء ، ولم يلتزموا بالموقف الرسالي الذي يهدي إلى اللّه سبحانه ، وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً والتتبير التفتيت الذي هو كناية عن تمزيقهم وإهلاكهم حتى لم يعد لهم أيّ أثر في الحياة ، وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السّلام في تفسير الكلمة : يعني « كسّرنا تكسيرا » « 1 » على لغة النبط ، وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ وهي قرية قوم لوط الذين كانوا يمارسون الشذوذ الجنسي - المذكر - اللواط - فأمطر اللّه عليهم حجارة من سجّيل . أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ويشاهدون نتائج التكذيب للرسل وللرسالات ، لأنها تقع في طريق أهل الحجاز إلى الشام - كما يقولون - . بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً ومعادا في يوم القيامة الذي يواجهون فيه حساب المسؤولية أمام اللّه . وهذا أوقعهم في الغفلة ، وقادهم إلى العناد والتكذيب ، انطلاقا من شهواتهم الذاتية ، ورفضهم لخط الالتزام الذي يمنعهم من تحقيق مطامعهم التي يحبون ويشتهون . وبذلك كان الإيمان بالمعاد أساسا للشعور العميق بضرورة التوازن في القضايا الفكرية المثارة ، في ما تختزنه من حسّ المسؤولية أمام اللّه .
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 220 .