السيد محمد حسين فضل الله
68
من وحي القرآن
ثبات الإنسان لاتصال القلب منه مع القوّة المطلقة المتمثلة في ذات اللّه ، وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ التي يعرج فيها الإنسان إلى اللّه بروحه ، ويتحرك في مواقع طاعته بجسده ، حيث تصفو الروح بمناجاة اللّه ، ويخشع القلب بذكره ، ويتطهر الجسد بطاعته في مواقع الطهارة ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فيعبدون اللّه بالصدقة التي يقدمونها للمحرومين من خالص أموالهم ، وفي ذلك تتجسّد العبادة في جوهر فكرة العطاء وحركتها ماديا ، فتتكامل العبادة لدى هؤلاء ، في خشوع القلب ، وثبات الموقف ، وصلاة الروح والجسد ، وحركة العطاء . . وإذا كان العطاء المالي هو مظهر العبادة عندما ينطلق من رغبة القرب من اللّه ، باعتبار أنه تعالى يحبّ إعانة عباده المحرومين ، فإن العطاء الفكري والروحي ، الذي يتمثل في ما يقدمه الإنسان من فكر للجاهل ومن طاقة روحية للضالّ ، أو من قوة نفسية للضعيف وغير ذلك من أنواع العطاء ، يمكن أن يكون عبادة بمعناها الواحد ، عندما تلتقي كل هذه الأشياء في موقف القربة إلى اللّه ، والرغبة في الحصول على رضاه . . وذلك هو السرّ الذي يشكل قوام بناء الشخصية الإنسانية في الإسلام ، في ما يجتمع لديها من عناصر الحركة كلها في الحياة أمام اللّه . البدن من شعائر اللّه وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، فقد اعتبر اللّه نحر الناقة السمينة عند البيت الحرام من وسائل القرب إليه كمظهر من مظاهر عبادته وطاعته ، في ما يوحيه من دليل على حضور اللّه في وعي المؤمن وفي حركته . . لَكُمْ فِيها خَيْرٌ لما تنتفعون به من لبنها ولحمها ووبرها وظهرها عند ركوبكم عليها ،