السيد محمد حسين فضل الله

60

من وحي القرآن

للإنسان ، لأنه يمثل الخير الباقي عند اللّه ، لأن ما عندنا ينفد ، وما عند اللّه باق . . وإذا كانت حرمات اللّه تتحرك في كثير من الموارد والمواقع والأفعال ، فإنها تشمل ما يأكله الإنسان من الحيوان ، فقد حرّم اللّه أكل بعض الحيوانات ، وأحلّ أكل بعضها الآخر ، تبعا لما يصلح أمر الإنسان أو يفسده ، لأن أحكام اللّه لجهة تحليل الأشياء وتحريمها ، تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة في داخلها ، أو في أجوائها ، ولهذا أحل اللّه الأنعام للإنسان ، ليأخذ منها غذاءه ، رحمة به ، ورفقا بضعفه . . أحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ممّا حرّمه في سورة المائدة في قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ، وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [ المائدة : 3 ] . هذا إذا فهمنا المعنى الاستقبالي من الفعل المضارع في كلمة « يتلى » ، لأن المائدة هي آخر ما نزل من القرآن ، والمعنى : أن اللّه قد أحلّ لكم الأنعام إلا ما استثناه في كتابه ، فحافظوا على حدوده فيها ، فلا تحرّموا حلالها ، ولا تحلّوا حرامها ، ففي ذلك تعظيم عملي لحرمات اللّه في خط الالتزام . وقد رأى بعض المفسرين أن استخدام صفة الحاضر في عبارة : ما يُتْلى عَلَيْكُمْ كان قد نزل في سورة الأنعام ، إشارة إلى استمرار التلاوة ، باعتبار « أن محرمات الأكل نزلت في سورة الأنعام وهي مكية ، وفي سورة النحل وهي