السيد محمد حسين فضل الله

61

من وحي القرآن

نازلة في آخر عهده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بمكة وأول عهده بالمدينة ، وفي سورة البقرة ، وقد نزلت في أوائل الهجرة بعد مضيّ ستة أشهر منها - على ما روي - ولا موجب لجعل يُتْلى للاستقبال وأخذه إشارة إلى آية سورة المائدة كما فعلوه . والآيات المتضمنة لمحرّمات الأكل ، وإن تضمنت عدة أمور كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ به لغير اللّه ، إلا أن العناية في الآية بشهادة سياق ما قبلها وما بعدها بخصوص ما أهلّ به لغير اللّه ، فإن المشركين كانوا يتقربون في حجّهم - وهو السنّة الوحيدة الباقية بينهم من ملّة إبراهيم - بالأصنام المنصوبة على الكعبة وعلى الصفا وعلى المروة وبمنى ، ويهلّون بضحاياهم لها ، فالتجنب منها ومن الإهلال بذكر أسمائها هو الغرض المعنيّ به من الآية ، وإن كان أكل الميتة والدم ولحم الخنزير أيضا من جملة حرمات اللّه . ويؤيد ذلك أيضا تعقيب الكلام بقوله : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ، فإن اجتناب الأوثان واجتناب قول الزور ، وإن كانا من تعظيم حرمات اللّه ، ولذلك تفرّع فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ على ما تقدمه من قوله : وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ، لكن تخصيص هاتين الحرمتين من بين جميع الحرمات في سياق آيات الحج بالذكر ليس إلا لكونهما مبتلى بهما في الحج يومئذ ، وإصرار المشركين على التقرب من الأصنام هناك وإهلال الضحايا باسمها » « 1 » . وهذا الرأي قريب إلى الاعتبار ، ولكنه ليس متعينا ، لأن ما أهلّ لغير اللّه به مشترك بين الآيات المذكورة .

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 14 ، ص : 373 .