السيد محمد حسين فضل الله

28

من وحي القرآن

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أي على طرف ، أو جانب واحد ، فلا ينطلق في العبادة بشكل كلي وشامل بعد دراسة كل الاحتمالات والإمكانات والاستعداد للنتائج الإيجابية أو السلبيّة التزاما بكل المواقف على جميع التقادير . . وهو حال الكثيرين ممن يطلبون الإيمان في حال السلم والربح والرخاء ، لا في حال الحرب والخسارة والشدّة . . وبذلك ينطبع إيمانهم بطابع الجوّ الذي يعيشونه في الداخل ، فهو لا يكون مستقرا إلا على الأرض التي لا تزورها العواصف ، ولا تسكنها الزلازل ، والتي يخيم عليها السكون . . إن هذه الجماعات تمثل نموذج الإنسان الذي يعيش الاسترخاء في إيمانه ، كما يعيش الاسترخاء في جسده ، في ما يشبه الخمول فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ واستراح له ، لأنه لا يلامس إلا الجوانب الإيجابية في حياته ، مما يرضي طموحه ، ويريح حياته ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ مما يفتن به اللّه عباده من البلاء المتنوّع في أجسادهم وفي أموالهم ، وفي شهواتهم وأهلهم وأولادهم ، اهتز إيمانه أمام التجربة الصعبة ولم يستطع الثبات أمامها ، فيسقط ، ويسقط معه النموذج الذي يمثله ، فهو نموذج يخيّل له وللناس أنه ثابت قويّ ، ولكن إذا ما جاءته الفتنة انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ وارتدّ عن دينه ، وابتعد عن مواقع الخير في خط اللّه ، واقترب من مواقع الشر في خط الشيطان ، فيورّطه في أكثر من مشكلة ، ويوقعه في أكثر من مهلكة ، مما كان يظن فيها أنها تنجيه ، فإذا بها ترديه ، ومما كان يحسب أنها تخفف عنه ، فإذا بها تشدّد الأمر عليه . بئس من يدعون إليه خَسِرَ الدُّنْيا التي كان يؤمّل فيها فخاب ظنه وخسر صفقة يمينه