السيد محمد حسين فضل الله
49
من وحي القرآن
ويبشرونهم بالسعادة في الدنيا وبالجنة في الآخرة إذا أحسنوا الالتزام به ، وينذرونهم بالشقاء في الحياة وبالنار في الآخرة إذا أساؤوا السير على هداه . ولكن الناس لا يدققون في فكر الدعوة ، ولا يتأمّلون في النتائج الإيجابية والسلبية في ما يتحرك به التبشير والإنذار ، ولا يتروّون في تحديد موقفهم من حركة الرسالة ودعوات الرسل ، بل ينطلقون مع السطح الظاهر للأشياء ، والنتائج المباشرة للواقع ، وتلحّ عليهم الدعوة إلى التفكير وعدم المبادرة إلى السرعة في الإنكار ، ويظلون مشدودين إلى أوضاعهم الحسية ، فيستعجلون العذاب الذي ينذرهم به الأنبياء ، ليتخلصوا من الإحراج ، أو ليتخففوا من الإلحاح ، أو ليسخروا منهم ، لأنهم لا يعتقدون بجدّية الموضوع ، فيطلبون أن ينزل اللَّه بهم العذاب ، كما قد يطلبون في الحالات الطبيعية أن تنزل عليهم السعادة ويهطل عليهم الخير وتفيض عليهم النعمة . إنهم يستعجلون ذاك كما يستعجلون هذا ، لأنهم لا يفهمون معنى ارتباط المسببات بأسبابها ، وعلاقة النتائج بمقدماتها ، وأن لكل شيء أجلا لا يعدوه ، وأن اللَّه عندما يعد الناس بالخير أو يتوعدهم بالعذاب ، فإنه لا يستعجل الأمر قبل أوانه ، بل يؤخره إلى أجل مسمّى وفقا لما قدره للأشياء من أسباب وآجال تبعا لحكمته الثابتة التي لا تهتز ولا تتزلزل . ولو عرف الإنسان كيف يفكر ليعرف النتائج السلبية والإيجابية لخطواته العملية في الحياة ، لاستطاع أن يدرك الهول العظيم لما يلاقيه من العذاب الذي لو التقى به ، لودّ أن يكون بينه وبينه بعد المشرقين . وهذا ما يمنعه من السير على الطريقة التي هي أقوم ، ومن الانفتاح على البشارة والابتعاد عن أجواء الإنذار .