السيد محمد حسين فضل الله

44

من وحي القرآن

الذاتي الذي يتفاعل مع إنسانية الآخرين دون الخضوع لها ، لأنه لا يجد نقصا في موقعها الحياتي ، فهي مع الآخرين على حد سواء . وهكذا تتحرك هذه التربية القرآنية في وعي الذات ، ليبقى الإنسان في حقيقته عبدا للّه ، يعيش الإحساس بالضعف أمامه ، ليستمد القوّة منه في كل لحظة ، من خلال انشداد الحاجة المطلقة إلى الغنى المطلق ، ويعيش حرّا أمام الآخرين ، في شعور دائم بالامتلاء الروحي من خلال استقلاله الذاتي عنه ، فكرا وطاقة وحركة حياة . ثم تنطلق هذه التربية في اتجاه آخر يتصل بقضية الحرية السياسية في واقع الإنسان ، لتكون هذه القيمة الإنسانية أساسا لحركة متجددة شاملة على مستوى الجهاد العنيف الدائم ضد كل قوى الاستكبار في الحياة ، بحيث يتحسس الإنسان انحرافه عن خط الحرية والعزة والكرامة ، كما يتحسس حالة الخطيئة في أعماله الخاصة . وهذا ما عبر عنه الإمام جعفر الصادق عليه السّلام في تفسيره لقوله تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] حيث قال معلّقا على ذلك : « إن اللَّه عز وجل فوّض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلا » « 1 » . مما يوحي بأن مسألة العزة ليست مسألة شخصية ، بل هي مسألة روحية عامة لا يملك الإنسان حرية التصرف فيها . وعلى ضوء ما تقدم ، فإننا نستوحي أن الإسلام يمثل ، في عمق تكوينه الفكري والتشريعي ، الدين الذي يحمل قضية الحرية كقاعدة لحركة الإنسان في الحياة في مواجهة قوى الاستعباد والاستكبار ، ويرى في مسألة الجهاد نتيجة طبيعية لذلك ، بحيث يتم التفاعل بين ماهية القاعدة ، وماهية قضية الحرية في المستوى السياسي والعسكري ، فيبطل الرأي القائل بأن الدين يمثل العنصر

--> ( 1 ) الكليني ، الكافي ، ج : 5 ، ص : 63 ، رواية : 1 .