السيد محمد حسين فضل الله

67

من وحي القرآن

يملكون قدرة تغيير نظام الكون بذاتهم ؟ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وهو إذن تقتضيه حكمته وتفرضه إرادته إصلاحا لأمر يقضيه بحكمته ، ويفرضه بإرادته ، إصلاحا لأمر الناس وتقوية لحركة الرسالات ، ولكنه ليس شيئا لازما للذات الرسولية ، بل هو شيء يقوم به بطريقة منفصلة عن ذاته ، وذلك بتعلق إرادة اللَّه بالشيء بشكل مباشر أو غير مباشر ، تبعا للمصلحة العامة . لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ والظاهر أن المراد به ، أن لكل وقت من الأوقات حكما معينا يكتبه اللَّه ويحكم به ، تقديرا للأشياء في أوقاتها . يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ : هل هذه الفقرة من الآية تتعلق بالمحو والإثبات في عالم المعرفة ، وما يبديه اللَّه للناس من علوم ، دون أن يبيّن لهم شروط وجود الأشياء وبقائها ، فيمحو اللَّه بعض ما أثبته في علم الناس لمصلحة ما ، ويثبت بعض ما محاه لديهم ، دون أن يختلف علمه في ذلك كله ، لأن لديه علم حقيقة الأشياء الذي تعبر عنه كلمة أم الكتاب ؟ أم أن هذه الفقرة تتعلق بالمحو والإثبات في عالم التكوين ، باعتبار أن اللَّه يتصرّف في الكون ، فيغيّر ما يريد تغييره ، ويمحو ما أثبته من ظواهر الكون وأحداث الحياة ، ويثبت بعض الأشياء وعنده أم الكتاب ، باعتبارها الأساس في ما أجراه من سنن وقوانين حاكمة على طبائع الأشياء ، وبما توحيه الكلمة من أن للأشياء أساسا ثابتا عند اللَّه ؟ ربما كان المعنى الثاني هو الأقرب لكلمة : « لكل أجل كتاب » في ما توحيه من أن للأوقات خصائصها في حكم اللَّه على القضايا والأوضاع والأحداث ، سلبا أو إيجابا ، فقد يثبت اللَّه شيئا في وقت ، ثم يمحوه في وقت آخر ، أو العكس ، لأن الاختلاف في مقتضيات الأشياء باختلاف الأوقات