السيد محمد حسين فضل الله
33
من وحي القرآن
الخضوع لعظمة اللَّه واللَّه هو القادر على كل شيء والغني عن كل أحد ، والمتعالي على كل ذلك ، والمحيط بكل شيء حي علمه . من هنا تلتقي دعوة الحق التي يحملها الأنبياء بالتوحيد المطلق للَّه الذي يجعله الرب والملاذ والمرجع في كل شيء ، في الفكر والعاطفة والحياة وفي الشريعة والمنهج والطريق ، فلا إله إلا هو ، ولا فكر إلا وحيه ، ولا شريعة إلا شريعته ، ولا حياة إلا الحياة التي تنطلق من هداه وتلتقي برضاه . وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ويعبدون غيره ، مما سولت لهم أنفسهم اعتبارهم شركاء للَّه لضعف يعتري أنفسهم ويسحقهم أمام مظاهر القوة التي يملكها أولئك الشركاء الوهميون . إنه الباطل الذي لا ينطلق من أساس ثابت ، ولا يحقق لدعاته أو للسائرين معه أية حماية أو رعاية ، فهؤلاء الرموز من الشركاء لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ في أي مطلب يتقدمون به ، فليس مثلهم في ذلك إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ دون أن يرفعهما إلى فمه ، وَما هُوَ بِبالِغِهِ نتيجة المسافة بين موقع الماء وموقع فمه ، فلا يكون لهم من الطلب إلا صورته فقط دون أية نتيجة إيجابية ، تماما كما هو حال صاحب المثل الذي يطلب الري بعيدا عن أسبابه الطبيعية . وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ في التزامهم بعبادة هؤلاء الشركاء إِلَّا فِي ضَلالٍ ، لأنه لا يتلقي بالجانب المشرق الذي يهتدي به الناس إلى سواء السبيل . وللَّه يسجد ما في السماوات والأرض طوعا وكرها وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بما يمثله السجود من الخضوع المطلق