السيد محمد حسين فضل الله
32
من وحي القرآن
فيسبحونه إعلانا للطاعة ، وابتعادا عن المعصية ورغبة في ثوابه ، وخوفا من عقابه . إنه الخوف الذي يحرّك الإحساس بالمسؤولية في وعي المخلوق ، انطلاقا من الإحساس الواعي بالعظمة ، وليس الخوف الذي يستحق الذات ويسقط إحساسها بالحياة ، وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ ويصرفها عمن يشاء ، وهذا المعنى يوحي به جوّ الآية ، ولعل الاقتصار على فقرة التخويف بإرسال الصواعق ، سببه أنّ السياق هو سياق التخويف والترهيب . وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ بين من يشك فيه وبين من يشرك به ، من دون حجة يستندون إليها ، ولا برهان يعتمدون عليه . وبذلك يخبطون خبط عشواء في جدالهم ، منطلقين من استبعادات لا أساس لها ، أو موروثات لا حجة عليها . ولو انفتحوا على آيات اللَّه في الكون ، وتأملوا في مظاهر عظمته ومواقع نعمته ، لما جادلوا بالباطل ، بل لكانوا انطلقوا في طريق أحق بكل قوة وانفتاح ، ولأدركوا كيف ينبغي لهم أن يخافوا اللَّه ويحذروا عقابه ، فلا يستهينوا بتوحيده . وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أي شديد القوة والقدرة ، فلا يعجزه هؤلاء الذين يجحدونه أو ينكرون توحيده ، أو يتمردون عليه ، فسيأخذهم بالعذاب أخذ عزيز مقتدر . لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ بما يوحيه إلى رسله من فكر يلتزم به الناس ، وعمل يقومون به ، ومنهج يتبعونه ، ومفاهيم يحملونها ، وشريعة يسيرون عليها على أساس الحق ، دون أن يترك أية ثغرة تحدث فراغا في أفكارهم ومشاعرهم وخطواتهم العملية في الحياة . وهكذا تكون الاستجابة للَّه استجابة للحق في كل شيء ، وانطلاقة في الصراط المستقيم الذي لا يقترب إليه الانحراف ، لأن الباطل إنما يكون نتيجة فقدان الوضوح في الرؤية ، أو نتيجة عقدة ضعف تحركها حالة رغبة أو رهبة تستغل الباطل في الوصول والهروب .