السيد محمد حسين فضل الله
10
من وحي القرآن
فيه . إنها تتحرك أمامنا روحا حية تتجسد في الكلمة التي تجسد في حركتها الفكرة ، حيث تنطلق في رحابها كل قيم الروح ، وتنفتح في آفاقها كل ألطاف اللَّه ، في ما يرحم به عباده . إنها أمامنا ، فيجب أن لا نعرض عنها ، ولا ننساها ، ولا نواجهها بأسلوب اللامبالاة ، ولا نتجمد في نطاق حروفها لنقف عند سر البلاغة فيها ، أو لنبدع لها ألحانا تسحرنا أجواؤها بحيث تلتقي الكلمة الحلوة بالصوت الشجي ، بل علينا أن ننطلق في رحابها الواسعة الشاملة المطلقة من رحاب اللَّه ، لنأخذ من قاعدتها الفكرية حركات امتداد الساحة ، على أكثر من صعيد ، ولنبدع من روحها أكثر من روح تصفو وتخشع وتناجي وتمتد ، وتبدع وتحنو وتواجه وتتحدى وتسالم وتحارب وتفكر وتحاور وتهدي وتعلم ، من خلال روح اللَّه التي أفاض منها على الحياة رحمة ولطفا وحبا وسلاما . علينا أن نواجه آيات الكتاب من موقع المسؤولية النابع من وعي الحركة في العمق وامتداد الدعوة وثورة الهدى . إنها إيحاءات الإشارة الإلهية إلى نبيّه ، إذ يريد منه أن تتحد شخصيته مع الناس في طاعتهم للَّه وانسجامهم مع وحيه ، لأنه يريد أن يكون فكرهم فكره وشريعتهم شريعته ، وأسلوبهم أسلوبه ، وأخلاقهم أخلاقه ، ومنهجهم منهجه . ولهذا كان يخاطبهم من خلاله ، ويحدّثهم بما يحدثه به ، حتى أنه يلطف بهم في الخطاب من خلال لطفه بالرسول ، ويعنف بهم من خلال تعنيفه له . وهكذا كانت الإشارة للتأمل والاستيحاء والانفتاح ، ليدرك الناس مواقع الحق في كلماته ومفاهيمه وآفاقه ، في مواجهة من يريدون إثارة الضباب حول الكتاب ، ليوحوا للناس بأنه يمثل الباطل ، وليأتي التأكيد بأنه الحق منسجما مع الإيحاء الذاتي الذي يختزن الحكم من خلال الجو العام .