السيد محمد حسين فضل الله
347
من وحي القرآن
الفرار من الزحف . . . من الكبائر وتستمر الآيات في أجواء المعارك التي يخوضها المسلمون دفاعا عن الحقّ وهجوما على الباطل ، فتثير أمامهم قضية الفرار من الزحف ، فتعتبره من الكبائر التي يستحقّ عليها دخول النار . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ، ولا تنهزموا أمامهم وتستدبروهم ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ أي ظهره في حالة لقاء العدوّ ، إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ وذلك إذا أراد الانتقال من جهة إلى أخرى في عملية تراجعية تمويهية ، يحاول من خلالها الالتفات على العدوّ والهجوم عليه من جديد على أساس خطة عسكرية مدروسة أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فينحاز إلى جماعته وجبهته ، ليقاتل من موقع قويّ ، لا من حالة فردية . . . فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ . أي رجع بسخط اللَّه ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ، لأنّ هذه المعصية ليست كبقيّة المعاصي الفردية المحدودة التي تتصل بالحياة الخاصة للعاصي ، بل تمتد لتهزم المسيرة الإسلامية كلها ، عندما يقع المسلمون في قبضة الهزيمة التي يختارونها في مواقف الضعف الداخلي الذي ينطلق من حبّ الحياة وكراهة الموت . وقد جاء في حديث الفضل بن شاذان ، أن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام كتب من جواب مسائله : « وحرّم اللَّه الفرار من الزحف ، لما فيه من الوهن في الدين ، والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة عليهم السّلام ، وترك نصرتهم على الأعداء ، والعقوبة لهم على إنكار ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية وإظهار العدل وترك الجور وإماتة الفساد ، لما في ذلك من جرأة العدو على المسلمين ، وما يكون في ذلك من السبي والقتل وإبطال دين اللَّه - عز وجل - ، وغيره من الفساد » « 1 » . * * *
--> ( 1 ) البحار ، م : 3 ، ج : 6 ، ص : 67 ، باب : 23 ، رواية : 2 .