السيد محمد حسين فضل الله

348

من وحي القرآن

لا ظفر إلا باللَّه وحده فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى . . . وهذا هو خط الإيمان الذي يريد اللَّه من المؤمن أن يعيشه في فكره وشعوره ، في كل حالات النصر والنجاح ، في حركة الحياة وفي ساحة الصراع ، وذلك بأن لا يعتقد في نفسه القوّة الذاتية المستقلّة عن اللَّه ، في ما يمدّه به من عناصر القوة ، بل يعتقد بأنه يتصرف عن أمره ، ويتقلّب في تدبيره ، ويتحرك بقوّته ، فإذا قتل العدو فإنما يقتله بنصر اللَّه وقوته التي أمده بها ، فكأن اللَّه هو الذي قتله ؛ وإذا رماه بسهم ، فكأن اللَّه رماه ، فهو - سبحانه - الفاعل الحقيقي للأشياء والقوة الحقيقية التي تتحرك بها ، لا بمعنى إلغاء الاختيار والإرادة الإنسانية في الفعل ، بل بمعنى إلغاء الذاتية المستقلة للإنسان في أعماله ، في ما تنطلق به من عوامل القوة . وقد كانت المعركة في بدر مظهرا من مظاهر الإمداد الإلهي الغيبي في ما أثاره اللَّه في أجواء المعركة ، وفي مشاعر المسلمين ، وفي امتلاء قلوب الكافرين بالرعب ، مما جعل من موقف المسلمين فيها موقف قوة ، بعد أن كان موقف ضعف في ما كانوا يعانونه من أحوال نفسية أمام قلة العدد والعدة ، مما يجعل من اختيارهم ظلّا لإرادة اللَّه واختياره بشكل واضح ، وهذا ما أراده القرآن في أسلوب التربية القرآنية من ربط الأشياء الصغيرة والكبيرة والسلبية والإيجابية - في واقع الكون وفي حركة الحياة والإنسان - باللَّه ، لتتأكد - من خلال ذلك - عقيدة التوحيد الخالص التي لا تتصور شيئا إلا وتتصور اللَّه معه ، لتحس بأن الكون كله هو الظل ، وأنّ اللَّه هو النور ، وهو الحقيقة ، وهو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء ، وهو على كل شيء قدير . . .