السيد محمد حسين فضل الله

248

من وحي القرآن

على الطريقة التي كانت مألوفة في تلك المنطقة ، فجمع منهم الحلي الذهبية ، وعمد إلى صنع عجل متجسّد له خوار - بطريقة فنية خاصة - ليعطي بذلك للعجل صفة القداسة ، من خلال الصوت غير المألوف الذي ينطلق منه . وقال لهم : هذا إلهكم وإله موسى . وأقبلوا عليه يعبدونه دون أن يستطيع هارون منعهم من ذلك لقلة تأثيره عليهم . هذا ما ذكرته هذه الآيات باختصار مع ردّ فعل موسى ، بالإضافة إلى بعض التفاصيل . * * * قوم موسى يتخذون العجل إلها وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ صنما يعبدونه من دون اللَّه ويؤلّهونه في خشوع وابتهال . ولم تدخل الآية في تفصيل القصة ، لأن الغاية من الحديث هنا عن هذه القضايا هي رصد حالات الضلال والانحراف كظاهرة متكرّرة مع كل نبي ، فأشارت إلى القصة ، ثم تابعت الحديث للتعليق عليها ، أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ؟ فكيف يمنحونه صفة الإله ، في الوقت الذي لا يملك فيه أيّة صفة عادية تقرّبه من طبيعة الإنسان العاقل الذي يفكّر ليهدي الآخرين بتفكيره ؟ وما معنى أن يكون الشيء إلها ؟ هل هو في امتثاله أمامهم بجموده دون أن ينطق أو يعقل أو يتحرك ، ليقفوا بين يديه خاشعين خاضعين لا يملكون إلا الأناشيد والابتهالات في جوّ من الخيال الروحيّ المريض الغارق في بحر الأساطير ؟ اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ لأنفسهم في ما انحرفوا به عن خط الهدى والإيمان ، وشعروا بالضياع ، وعاشوا الندم بعد أن هدأ كل ذلك الجو الاستعراضي الذي أثاره السامري ، فرجعوا إلى اللَّه من جديد . وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ تعبير كنائي عن موقف النادم الذي يشعر