السيد محمد حسين فضل الله

208

من وحي القرآن

عظيمة بالنصر لا حدّ لها ، وهي الثقة باللَّه القادر على أن يبطل كل كيدهم ومكرهم . فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ لأن السحر لا يحمل في مدلوله قدرة لتغيير الأشياء ، وتحويلها عن حقيقتها ، والتأثير بها بطريقة فعلية ، بل هو مجرّد تخييل وتمويه ولعب على أعين الناس ، بما يملكونه من دقة وفنّ يأخذ بالعيون ويدعو إلى الدّهشة ويبعث على الخوف . . . وَاسْتَرْهَبُوهُمْ من خلال ما أظهروه من ألاعيب تحويل العصيّ إلى ثعابين خيّل لموسى وللناس أنها تسعى . وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ فقد كانوا يملكون المقدرة الكبيرة في فنّ السحر . ووقف موسى ينتظر أمر ربّه ، لأنه لا يملك المعرفة بالسحر ليقابلهم سحرا بسحر ، ولا يملك القدرة الذاتية على المعجزة ليبطل السحر بالمعجزة ، وكان يعرف أن اللَّه سينصره ، لأن وقفة التحدي - هذه - لم تكن وقفته الذاتية التي يربح فيها الجولة كشخص ، أو يخسرها كشخص ، ولكنها كانت وقفة الرسالة التي تريد فرض نفسها على الساحة كقوّة جديدة تملك أن تتحدى جبروت فرعون وطغيانه ، لتمنح الناس القدرة على الاختيار بينها وبين فرعون ، ثم لتعطيهم قوّة حسم الموقف بالوقوف مع موسى من أجل الرسالة ، لأن المسحوقين لا يتحركون بمواجهة القوة الطاغية ، إلا استنادا إلى قوّة جديدة تمنحهم إرادة القوة كما توحي لهم بالهدى والإيمان . . . * * * عصا موسى عليه السّلام تلقف إفك السحرة وجاء أمر اللَّه ، وتمّت كلمته * وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فألقاها في استجابة خاشعة لأمر اللَّه ، وثقة بالنتيجة الإيجابية المنتصرة الحاسمة ، فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ وتتناول كل هذه العصيّ التي أرادوا أن يصرفوا وجوه