السيد محمد حسين فضل الله
209
من وحي القرآن
الناس بسحرها عن الحق ، ويقودوهم إلى الباطل . ولم يشعر الناس إلا بالعصا وهي تتحول إلى ثعبان عظيم ، يوحي بالحقيقة المرعبة المتحدية الكامنة في عينيه ، وفي حركته الهجومية على كل تلك الدمى الفارغة من أشكال الثعابين . . . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لأن ما جاء به موسى هو الحق ؛ أما السحر فإنه الباطل الذي ينهزم بسهولة ، لأنه لا يمثّل شيئا من القوّة الحقيقية للأشياء . وكانت الغلبة للرسالة في موقف موسى ، بينما وقف فرعون في موقف المهزوم من خلال هزيمة السحرة . فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ، وتحطّم كل ذلك الجبروت وتحوّل إلى كيان ذليل صاغر أمام الحقيقة القوية الصارخة ، ووقف السحرة في موقف التأمّل والتفكير . ولم يطل بهم الموقف كثيرا ، فما كان منهم إلا أن آمنوا بموسى عندما ألقى عصاه ، ووجدوا أن ذلك ليس في مستوى السحر بل هو شيء فوق ذلك كله ، مما لم يألفوه ولم يعرفوه في كلّ ما شاهدوه وعرفوه من أساليب السحر ، فعرفوا أن ذلك كله من اللَّه سبحانه لا من موسى ، وهذا ما جعل دعوته في مستوى دعوات الأنبياء الذين يتميزون بقدرات غير عاديّة ، في ما يقومون به من معاجز ، وما يقدمونه من آيات ، فانفتحوا على الإيمان بكل قوّة وابتهال وخشوع . * * * السحرة يستجيبون لدعوة موسى عليه السّلام وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ * قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ وأعلنوا إيمانهم بطريقة لا تقبل الشكّ ، وأكّدوا ذلك بالانتماء إلى خط الرسالة التي يحملها موسى وهارون ، في ما تعنيه كلمة رَبِّ مُوسى وَهارُونَ من معاني الارتباط باللَّه من خلالهما باعتبار دعوتهما إليه .