السيد محمد حسين فضل الله

203

من وحي القرآن

التي لا بد أن تكون في مستوى المعجزة الخارقة للعادة ، تراجع وانهزم وانكمش في موقفه ، فينفضح أمره ، ويتبين زيف دعواه من دون مشاكل . ولهذا فقد بدأ بمطالبته بإظهار الآية الدالّة على صدقه : قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ - . وكان فرعون ينتظر أن يعتذر موسى ويتراجع ، ولكن المفاجأة كانت بانتظاره فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ودبّ الرعب في قلب فرعون ، ولكنه تمالك نفسه . وجاءت المعجزة الثانية وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ مع أن موسى كان أسمر اللون ، فكيف تحولت يده إلى هذا البياض الناصع من غير مرض ؟ وعقدت المفاجأة لسان فرعون ، فلم يتكلم بشيء ، وكأنه أحسّ بصدق موسى . وربما عاش بعض التردّد في سر ما رآه ، هل هو معجزة أم سحر ؟ وشعر قومه الذين هم جهاز سلطته بهذه الحيرة التي أخذت تأكل قلب فرعون . وربما خافوا أن تتحوّل الحيرة إلى قناعة وإيمان بصدق موسى ، فيميل إليه ، فيفقدون بذلك سلطانهم ، فتدخّلوا ليحسموا الموضوع عنده ، ليؤكدوا أن ما قام به موسى هو سحر ، وأن موسى ليس نبيا ، بل هو ساحر عليم يملك المزيد من القدرة والمعرفة في هذا الفنّ . وكان مثل هذا الاحتمال قريبا إلى أجواء المجتمع هناك ، لأنّ ألاعيب السحر التي تماثل ما قام به موسى في الشكل ، كانت مألوفة لديهم ، * * * ملأ فرعون يتهمون موسى عليه السّلام بالسحر قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ . وذلك هو أسلوب الطغاة