السيد محمد حسين فضل الله
108
من وحي القرآن
عن قدرة الإنسان الحركية . وبعبارة موجزة ، إن السنّة التاريخية لا تخضع دائما للعناصر الخارجة عن قدرة الإنسان ، بل إنها قد تخضع للإرادة الإنسانية في حركة الفكر والعمل ، فالاختيار الإنساني جزء من السنة وليس نتيجة لها ، فإذا أحسن الاختيار كان للأمة شبابها وحيويتها وامتدادها في العمر الحضاري ، وإذا أساء ذلك ، كان سببا للمرض الروحي والمعنوي والمادي الذي يعجل في الموت ويبلغ بها نهاية الأجل . إن نهاية الأجل للأمة كنهاية الأجل للفرد ، خاضعة للعوامل الداخلية والخارجية المتحركة في عناصر الضعف والقوّة في الذات ، إنها حركة منفتحة على المستقبل متصلة بالماضي والحاضر في عملية مراوحة بين الظروف التي يصنعها الإنسان والظروف المحيطة به من الخارج . وليس من الضروري أن يكون الموت الذي يمثل عملية سقوط حضاري للأمة حتميا ، بل هو إراديّ في خط الوعي السلبي والإيجابي للفكر وللحركة والامتداد ، وهذا هو الذي يلتقي بقوله تعالى : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ آل عمران : 140 ] . فإنها تعني التجدد والحركة من خلال الأسباب الطبيعية الإنسانية وليست شيئا لا مفر منه من خلال نظرية حتمية السقوط . وهذا هو الذي تلتقي فيه الآية وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ بالآية الأخرى وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ فإن عملية التداول لا تبتعد عن مواقع الاختيار ، بل تتحرك معها ومع العناصر الأخرى المتصلة بالنظام الكوني ، واللَّه العالم .