السيد محمد حسين فضل الله

82

من وحي القرآن

هل كان الرسول يشعر بالحزن الروحي على ما يواجهه به قومه من تكذيب ؟ وهل كانت المسألة تمثل بالنسبة إليه حالة ذاتيّة ترهقه ليحتاج إلى التسلية التي تبعد الموضوع عن التحدي الذاتي ، وتجعله بمنأى عن النتائج السلبيّة المؤثرة على المشاعر الخاصة وذلك بالإيحاء له بأن التكذيب ليس موجّها إليه ، بل هو موجّه إلى اللَّه من خلال ما يكذب به الظالمون من آيات اللَّه ؟ وهل أنّ مثل هذا الأسلوب يريح النبي محمدا صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ؟ وإذا كان الأمر على هذا الشكل ، فهل يمكننا أن نفهم أنَّ انفعاله الشخصي يتجاوز انفعاله للَّه ؟ وأخيرا ، هل ينسجم ذلك مع شخصية النبيّ في ما نعرفه عن إخلاصه لرسالته لربّه ؟ هذه هي علامات الاستفهام التي قد ترتسم أمام القارئ لهذه الآيات عندما يواجه معانيها من خلال الفهم الحرفي لألفاظها . ولكننا نفهم منها أسلوبا قرآنيا يتحدّث عن تحليل الموقف الرسالي للرسول ولكل الرساليين الذين يتبعون خطاه ، في ما يمكن أن يخضع له البشر من نوازع ذاتية أمام التحديات ، فهو يوحي بوجود شيء من هذا القبيل ، كفرضيّة قابلة للحدوث ، ولكن ليس من الضروري أن تكون قد حدثت بالفعل ، لينتقل ، من خلال ذلك ، إلى الإيحاء بأن الموضوع لا يتحمل أيّة صدمة انفعالية صعبة ، تثقل حركة الذات في الدعوة . فإذا كانت صفة الرسالة هي التي تطبع شخصية الرسول فإن كل ردّة فعل سلبيّة أو إيجابية ترتبط بتلك الشخصية يجب أن تكون بعيدة عن الذات والذاتيات . وبهذا تكون القضية متعلقة باللَّه الذي لا يضيره شيء من تكذيبهم وجحودهم كما لا ينفعه شيء من إيمانهم وتصديقهم ، لأنه الغنيّ عن ذلك كله ، فلا مجال لأي انفعال لأن الذات لا علاقة لها بالموضوع ، والرسالة المنزلة من اللَّه لا تتأثر بذلك ، إن اللَّه فوق الانفعال ، فما ذا يبقى في الساحة ؟