السيد محمد حسين فضل الله

83

من وحي القرآن

إن المسألة - بكل بساطة - هي أن يواجه الرسول الموقف بعقليّة واقعيّة ، وذهنيّة عمليّة مرنة ، بعيدا عن كل الحالات الشعورية الذاتية . وبذلك تستمر القافلة الرسالية في سيرها الطبيعيّ ، لتصل إلى أهدافها الكبيرة في نهاية المطاف . وفي ضوء ذلك ، تتحوّل هذه الآيات إلى خطة تربويّة للعمل الرسالي ، يواصل من خلالها ذاك العمل طريقه بكل موضوعيّة وهدوء ، تماما كأيّ عمل يرتبط بمسؤوليته ولا يرتبط بذاته ، حيث يتحرك الداعية على أساس المعطيات الواقعية ، ومدى انسجامها مع خط المسؤولية في عمله . . فيعيش التجرد من كل ما لا يرتبط بالعمل ، مما يجعل للحركة فاعليّة قويّة ، ويقود الموقف إلى خطوات الواقع . وهكذا تخرج القضية من النطاق الذاتي الشخصي ، لتتّصل بالنطاق العام للرسالة وللرسول فلا تعود شيئا شخصيا للنبيّ ، بل تتحوّل إلى قاعدة عامّة لكل الرسل والرسالات ؛ ومن هنا ، تتساقط كل علامات الاستفهام أمام شموليَّة القاعدة وثباتها . إن القرآن يريد أن يؤكد الفكرة - الخط ، في ضمير النبي - الداعية ، ليفرّغ ذاته من الانفعال ، فهناك حالة بشرية تحبّ التمرّد والمواجهة والهروب من المسؤوليّة ، فلا بد من مواجهتها من منطق الواقع الذي يبحث في الأرض عن الإمكانيات الحاضرة والمستقبلة لانتصار الدعوة في حركتها الفاعلة ، مما يفرض المزيد من الهدوء النفسي والاتّزان العاطفي والثبات العقلي ، فالدعوة تمثل رسالة اللَّه ، والتكذيب يواجه هذه الرسالة . . فهو يواجه اللَّه في النهاية ، وليس هذا الأمر بدعا في التجربة الجديدة للرسول - الداعية ، فهي حلقة من حلقات السلسلة التاريخيّة لمسيرة النبوّات في التاريخ ، فقد كان هناك في المدى البعيد في الزمن الغابر أكثر من نبيّ جاء بالرسالة ، فواجهه الآخرون بالتكذيب ، فقد كان من سنّة اللَّه أن ينطلق الرسل ضد التيار السائد فكريّا