السيد محمد حسين فضل الله

81

من وحي القرآن

تفرقوا فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد ألّا نعود . فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا . . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك في ما سمعت من محمد ؟ فقال : يا أبا ثعلبة ، واللَّه لقد سمعت أشياء أعرفها ، وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها . قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به . . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه في بيته ، فقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك في ما سمعت من محمد ؟ فقال : ماذا سمعت ؟ قال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاذبنا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منّا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه ؟ واللَّه لا نؤمن به أبدا ولا نصدّقه ! قال : فقام عنه الأخنس وتركه « 1 » . إن هذه الرواية بالإضافة إلى الروايات السابقة ، توحي بأن هناك عقدة مستعصية كانت تعيش في ذهنيات هؤلاء وتمنعهم من الإيمان برسول اللَّه ، فلم تكن قضيتهم قضية كفر ينطلق من فكرة مسيطرة عليهم ، بل من واقع منحرف يفرض نفسه على مواقعهم . وهناك - في نهاية المطاف - نقطة مهمة ، وهي أن هذه الآية مكية والسورة مكية ، أما الروايات فموقعها - على الظاهر - المدينة في معركة بدر . القرآن يوجه النبي إلى واقع التحدّيات قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ

--> ( 1 ) ابن هشام ، السيرة النبوية ، مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت - لبنان ، 1413 ه - 1993 م ، ج : 1 ، ص : 315 - 316 .