السيد محمد حسين فضل الله
45
من وحي القرآن
بذور رسالية واستجاب اللّه لهم ذلك الدعاء كما يوحي الجوّ الذي تتحرك فيه الآيات ، وخاض الحواريون بقيادة عيسى عليه السّلام المعركة مع الكافرين وعاشوا الاضطهاد . وبدأ الكافرون يدبّرون المكائد والحيل في عمليّة مكر خفيّ حاقد ليطفئوا نور اللّه بمكرهم ، ولكن اللّه شاء غير ما يشاءون ودبّر غير ما يدبرون ، فقد أراد اللّه لرسالته أن تنطلق من مواقع اضطهاد الكافرين لرسله ، لأن الاضطهاد يعطي للرسالة قوتها وثباتها وعمقها وامتدادها في مشاعر الناس وأفكارهم . . . فهم قد يستسلمون لسلطة الكافرين ، وقد يعاونونهم في اضطهاد الرسل وأتباعهم من المؤمنين ، وقد يخضعون لما يقدّم لهم من إغراءات السلطة فيعلنون الحرب على الرسالة . . . ولكنهم - في الوقت نفسه - يختزنون في منطقة إلا شعور عمق الاحترام لهؤلاء الدعاة الذين يتمرّدون على العذاب ، ويسخرون من الاضطهاد ، وينتصرون على كل نوازع الضعف في نفوسهم ، ويحوّلون الحزن والألم في داخلهم إلى فرح كبير . . . ثم تبدأ البذور الرسالية تتناثر في أعماقهم من خلال كلمة يسمعونها هنا ، ولفتة يشاهدونها هناك ، وموقف يواجهونه ويقفون فيه مع رسالاتهم . . . وتنمو البذور بعد ذلك لتتحوّل إلى عشب إيماني ، وخضرة روحية يانعة تهتز بها الروح ويزهو بها الشعور . وتكون المفاجأة ، فهؤلاء الجلادون يتحوّلون إلى مؤمنين خاشعين يطلبون من اللّه التوبة ومن الرسول وأتباعه العفو . وهؤلاء المتفرّجون الذين يصفقون للسلطة عندما تضطهد الرساليين يتحوّلون إلى عاملين في ساحة الإيمان . . . ويتحوّل التصفيق في أكفّهم إلى الجانب الآخر ، فيصفقون لمواقف الجهاد في نهاية المطاف . . . وهكذا كان تدبير اللّه لحركة الرسالات في تخطيط بعيد المدى . وإذا دبّر اللّه أمرا فإنه خير من يدبّر ، لأنه هو الذي يملك زمام لحياة والإنسان في كل مصادره وموارده . . . وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ وقد أشرنا في المفردات إلى أن المكر لا ينحصر في التحرك الخفي