السيد محمد حسين فضل الله
46
من وحي القرآن
السيّئ - كما هو المعروف لدى الناس - بل هو الطريقة الخفية التي يراد منها تعطيل مبادرات الآخرين عما يريدونه على مستوى الفكرة والواقع ، سواء كان ذلك خيرا أو شرا ، وفي ضوء هذا جاء وصف المكر بالسيّئ في قوله تعالى : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [ فاطر : 43 ] . مما يوحي بأن هناك مكرا سيئا ومكرا حسنا ، ولهذا أمكن نسبة المكر إلى الناس الذين دبروا لعيسى عليه السّلام المكائد في خططهم الشيطانية التي حاولوا فيها إسقاط رسالته وإبطال دعوته وإبعاده عن ساحة التغيير الرسالي للواقع وتهديد حياته بالقضاء عليه - وهذا هو المكر السيّئ - كما أمكن إسناد المكر الحسن إلى اللّه سبحانه وتعالى الذي خطط ودبّر لحفظ حياة نبيه وصون دعوته وإعداد الفرص الكفيلة بإنجاح رسالته في مدى الامتداد الزمني . وإذا كان اللّه هو الذي يدبر بمكره الحسن ، فهل يملك أحد أن يقف أمامه أو يأمن مكره ؟ إنّه الذي يملك الأمر كله ، ويحيط به من كل جهاته ، ويحركه من خلال حكمته ، بينما لا يملك الآخرون من الكافرين إلا القليل القليل مما مكنهم اللّه به من القوة التي أراد لهم أن يوجهوها في طريق الخير فوجهوها في طريق الشر . وهكذا نستوحي من هذه المقابلة بين مكر اللّه ومكر الناس كيف يتحرك الصراع بين الحق والباطل ، والإيمان والكفر ، والخير والشرّ ، لتكون النتيجة في نهاية المطاف للحق والإيمان والخير ، لأنها إرادة اللّه التي لا بد من أن تصل إلى غاياتها ولو بعد حين . ما معنى الوفاة في قصة عيسى عليه السّلام ؟ . . . أما عيسى فإن اللّه أراد له أن لا يقع في قبضة الكافرين الذين جاؤوا به ليصلبوه وليقتلوه . وتحرّكت الإرادة الإلهية الخفيّة ، في ما أعلنه اللّه لعيسى عليه السّلام : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ .