السيد محمد حسين فضل الله

44

من وحي القرآن

تمثل إلّا الإعلان له بأنه ليس وحده في الساحة ، وليس وحده في المعركة ، وأن صوته لم يذهب في الفراغ ، كما تذهب الأصوات الضائعة في أجواء الجحود والكفران . . . فهناك المؤمنون الذين يتقدمون معه في خطّ الجهاد والدعوة إلى اللّه ، وهناك أصواتهم الهادرة التي تشهد الرسول بإسلامها ، ليسمع الجاحدون كيف تحوّل الإيمان إلى قوة لا تخاف من الإعلان عن مواقفها المضادّة لقوة الكفر . إنهم يشهدون الرسول ، ولكنهم في نهاية المطاف يقفون بين يدي اللّه الواحد الذي آمنوا به ، وآمنوا برسوله من خلال الإيمان به ، وأسلموا له على أساس خط الإيمان الفاعل في الحياة ، ليعبّروا له عن هذا الإيمان العميق الممتدّ في وجدانهم وفكرهم ، وعن خطواتهم العملية التي تحرّك الإيمان من خلالها إلى حركة واعية تتمثل في اتّباع الرسول . . . وليستلهموا منه القوة على مواجهة التحديات لئلا يضعفوا أمام نقاط الضعف التي تواجههم في الداخل والخارج ؛ فإن الشعور بحضور اللّه في حياة الإيمان ، من خلال المناجاة الذاتية التي يقدمها المؤمن للّه ، يمنح المؤمن شعورا بالرضى والطمأنينة والقوّة الواثقة بربها وبنفسها . . . في الصعب من مواقف الحياة . وهكذا وقفوا أمام ربهم ، ولكن لا ليشهدوه على إيمانهم لأن اللّه يعلم ما في الصدور ، بل ليرفعهم إلى مستوى الدعاة إليه ، المجاهدين في سبيله الذين يشهدون على الناس في خط الرسالات الكبيرة في الحياة . فإن اللّه قد جعل للطليعة الواعية المجاهدة دور الشاهدة على الناس كما جعل للرسل الدور الأول في هذا المجال . . . رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ الذين يشهدون للمؤمنين الذين استجابوا للّه وللرسول دعوته ، وحملوا على الكافرين الذين رفضوا الإيمان فكرا وحركة ومنهجا ، فانفتحوا على كل المشاكل المتناثرة في صعيد الساحة العامة ، بحيث إنهم يملكون القدرة على تقديم تقرير واف شامل لكل مفردات الرسالة وخصومها .