السيد محمد حسين فضل الله

36

من وحي القرآن

مُسْتَقِيمٌ : الاستقامة : الاعتدال وهي خلاف الاعوجاج . حلقة في سلسلة مباركة . . . ويتابع عيسى حديثه في التدليل على طبيعة مهمّته ورسالته ، فيعتبرها - كما هي عند اللّه - حلقة في السلسلة المباركة النبويّة . وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ فإن النبوّة الجديدة لا تلغي النبوّة القديمة ، لأن النبوات ليست منطلقة من شخص النبي في ذاتياته الفكرية ، بل من وحي اللّه الذي يشرّع للحياة كلها وللإنسان كله ، في الخط العام الذي تتكامل فيه الرسالات وتتوزع فيه الأدوار ، إلا ما يختص بمرحلة النبي في الزمن الذي يعيش فيه الناس الذين أرسل إليهم والأوضاع التي قد يعرض عليها التغيير ؛ وهكذا كان كل نبي مصدقا لمن قبله في رسالته وفي الكتاب الذي أنزل عليه ، ومنهم النبي عيسى عليه السّلام . . . . فهو أحد الأنبياء الذين اختصهم الله برسالاته ، فقد جاء بعد موسى عليه السّلام وأقرّ الكتاب الذي أنزل عليه من التوراة وصدّق به ، لأنّ أحكامه لم تنسخ - في الأغلب - ولأن مفاهيمه لم يتجاوزها الزمن فلا تحتاج إلى تجديد . . . وفي ضوء ذلك ، فإن موقفه الرسالي لا يمثل تحدّيا للمفاهيم والأحكام التي يؤمن بها هؤلاء الذين بعث إليهم من بني إسرائيل ، لأنه تركها على حالها ، ما عدا بعض الأحكام التي حرّمت عليهم كنتيجة لتمرّدهم ، فأراد اللّه أن يؤدبهم بالتشريع الصعب الذي يثقل عليهم مسئولياتهم ، حتى إذا انطلق الزمن في مدار جديد ، رفع اللّه عنهم ذلك كلّه ببركة هذا الرسول الجديد الذي جاء رحمة لهم وبركة عليهم : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ .