السيد محمد حسين فضل الله

27

من وحي القرآن

الذي جعل لهم القدرة في دائرة إنسانيتهم في أوضاعهم الخاصة والعامة ، من خلال ما أوكل اللّه إليهم من مهمّات تتصل بالمسؤوليات الملقاة على عواتقهم ، والحوافز المرتبطة بتطلعاتهم وحاجاتهم ، ولا بد من أن يكون له القدرة على توسيع هذه الإمكانات لأكثر من مهمة جديدة في الكون . ويبقى اللّه مسيطرا ومهيمنا على الأمر كله ، فله أن يبقيها لهم في مدى حكمته ، وله أن يسلبها عنهم في مدى قدرته ، وليس في ذلك أيّة منافاة أو انحراف عن العقيدة التوحيدية التي ترتكز على أن الخلق والأمر له في كل شيء ، فلا يملك أحد من أيّ شيء إلا ما ملّكه اللّه ، لأن القضية قضية عطاء إلهي يتحرك في الدائرة الخاصة التي يحددها اللّه لعباده من خلال إرادته المطلقة التي لا يعجزها شيء . النقطة الثانية : جانب الحاجة أو الضرورة لذلك ، والسؤال : لماذا يجعل اللّه لهم هذه الولاية التكوينية ؟ هل هناك مهمة تتوقف على ذلك ، بحيث تكون المسألة هي أن يملكوا القدرة الفعلية الشخصية بحيث يصدر الفعل منهم فلا يتحقق الهدف إلا من خلال ذلك ، أم هي قضية تشريف إلهيّ لهم حيث يمنحهم هذا الموقع الكبير الذي لا يملكه أحد في الوجود غيرهم ؟ هذه علامات استفهام تطوف في الذهن ، فلا نجد لها جوابا إيجابيا يؤكد النظرية ، فنحن نعلم أن دور الأنبياء هو دور تبشير وإنذار وتبليغ ، وإذا كان لهم دور تنفيذي فإنهم يتحركون فيه من خلال الوسائل العادية المطروحة بين أيديهم في الحالات العادية . فإذا جاء التحدي الكبير الذي يحوّل الموقف إلى خطر كبير على الرسالة والرسول ، بحيث كانت الوسائل العادية ذات مردود سلبيّ على الموقف والموقع ، لأنها تجعل القضية في حالة الضعف الشديد ، فإن المعجزة عندئذ تتحرك لتحفظ توازن الرسالة في موقع الرسول ، وتصدم واقع الكافرين بالصدمة القوية القاهرة التي تردّ كيدهم وتهدم كيانهم وتؤدي بهم إلى الضعف والهزيمة ، كما في طوفان نوح عليه السّلام ، ونار إبراهيم عليه السّلام ، وعصا موسى عليه السّلام ، أو يده البيضاء وفلق البحر له ، وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لدى عيسى عليه السّلام ، وقرآن محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وتنتهي المسألة عند هذا