السيد محمد حسين فضل الله

28

من وحي القرآن

الحد ، فتكون بمثابة قضية في واقعة ، وتعود الرسالة إلى مجراها الطبيعي ، ويعود الرسول إلى الوسائل العادية ، ويتحرك الصراع من جديد ليعيش النبي هنا وهناك أكثر من مشكله وهمّ وبلاء ؛ فيتحمل الألم القاسي ، ويواجه التحديات الصعبة كأيّ إنسان آخر من دون أن يبادر إلى أية وسيلة غير عادية للتخلص من ذلك كله . أمّا التشريف ، فإنّه لا يتمثل في إعطاء القدرة من دون قضية ، أو توسيع السلطة من دون مسؤولية ، واللّه يشرف أنبياءه من خلال رفع درجتهم عنده من خلال تقريبهم إليه ومحبته لهم وعلوّ مقامهم في الآخرة ، أما الدنيا فلا قيمة لها عنده ، ولذلك لم يجعلها أجرا لأوليائه بل أتاح الفرصة الكبرى فيها لأعدائه . إنّنا لا نجد أية ضرورة أو حاجة تفرض إعطاء الولاية التكوينية المطلقة لهم إلّا بالمقدار الذي تحتاجه الرسالة في أصعب أوقات التحدي مع احتمال أنها ليست من قدرتهم ، ولكنّها قدرة اللّه بصورة مباشرة . ثم ما معنى هذه الولاية التي لا أثر لها في حياتهم من قريب أو من بعيد ، ولا دخل لها في حماية رسالتهم ، فلم يستعملوها في إذهاب الخطر عنهم ، ولم يتحركوا بها في الانتصار لرسالاتهم ، وذلك من خلال قراءة تاريخهم الصحيح كله ؟ أدلة الولاية التكوينية الناحية الثانية ناحية الدليل على ثبوتها من خلال النص القرآني في نطاق المعاجز الخارقة في حياة الأنبياء ، فنلتقي في البداية بالنبي نوح في قوله تعالى : * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [ القمر : 9 - 12 ] وهي واضحة الدلالة على أن المسألة كانت دعاء نوح