السيد محمد حسين فضل الله

364

من وحي القرآن

وزهده « 1 » . ولكننا نلاحظ على ذلك أن أمر عيسى ، في ولادته العجائبية وفي معجزاته الخارقة ، أكثر قوة من أمر يحيى ، لا سيما أن يحيى لا يزيده كثيرا في العمر بالدرجة التي يتقدم فيها اجتماعيا ليكون عيسى بحاجة إليه في تأييد رسالته ودعم موقفه . كما أنّ الحديث عن عيسى لم يكن معروفا في تلك المرحلة ، لأنه ليس واردا في الذهنية العامة ، حتى أن والدته السيدة مريم كانت تجهل كل شيء من أمره ، ولذلك كان حملها وولادتها وكل ما حدث لها يمثل الصدمة العنيفة التي هزت كل كيانها ، ولذلك فإن الكلام عن تصديقه بعيسى - كلمة اللَّه - ليست له أية مناسبة واقعية في وجدان زكريا ، ولهذا لم يثر ذلك أيّ سؤال في نفسه عن طبيعة الشخص الذي يصدقه ولده بصفة أنه كلمة اللَّه ، ولهذا ، فإننا نستقرب أن المقصود من بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ، الكلمة الإلهية الرسالية المتمثلة بكتاب اللَّه وهو التوراة أو نحوها ، وقد درج التعبير في القرآن بكلمة اللَّه بمعنى وحيه أو رسالته كما في قوله تعالى : وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا [ التوبة : 40 ] ، وعن كتبه ورسالته بكلمات اللَّه كما في قوله تعالى : وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ [ الشورى : 24 ] ، وفي قوله تعالى في حديثه عن مريم : وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها [ التحريم : 12 ] . فلا مانع من أن يكون المراد بتصديق يحيى بكلمة من اللَّه ، الوحي النازل من اللَّه على رسله بكلمته لعباده ، لأنه دليل على اختصاص اللفظ بعيسى عليه السّلام ، باعتبار أن إطلاق الكلمة عليها جاء من خلال المعنى العام لخصوصية ذاتية ، بلحاظ أنه خلق بكلمة اللَّه المتمثلة بإرادة التكوين من خلال كلمة « كن » المستعملة في القرآن تعبيرا عن ذلك كما في قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 59 ]

--> ( 1 ) انظر : مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 561 .