السيد محمد حسين فضل الله

356

من وحي القرآن

قد اقتنع بذلك ورجع إلى ما يوحيه إيمانه من التسليم للَّه في كل شيء ، ولكنه يريد آية . واختلف المفسرون في معنى هذه الآية ، فقال بعضهم إنها العلامة التي يعرف من خلالها أن ما سمعه هو من وحي اللَّه ، وذلك بأن يجعل اللَّه له ما يشبه المعجزة ، وأوحى اللَّه إليه بأن الآية هي أن يعتقل لسانه ، فلا يستطيع أن يتكلم ، ولا يملك أن يخاطب الناس إلا رمزا مدة ثلاثة أيام ، وقال بعضهم : إنها علامة الشكر على هذه النعمة غير المترقبة ، فأوحى اللَّه إليه كما أوحى إلى مريم بصوم الصمت الذي كان مشروعا آنذاك ، ولعلّ هذا هو الأقرب ، لأنه لا معنى للارتياب بعد أن جاءه الجواب بالتذكير بقدرة اللَّه ، ولأن الظاهر أن الوحي كان بالامتناع الاختياري عن الكلام مع الناس وبذكر اللَّه كثيرا وبالتسبيح الدائم بالعشي والإبكار . قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ولكن هذا الذي ذكرناه ، مما فهمناه من الآية على وجه الترجيح ، لا يلتقي بما رواه العياشي في تفسيره عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام قال : « إن زكريّا لما دعا ربّه أن يهب له ولدا فنادته الملائكة بما نادته به ، أحبّ أن يعلم أن ذلك الصوت من اللَّه ، فأوحى إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيام ، فلما أمسك ولم يتكلم علم أنه لا يقدر على ذلك إلا اللَّه » « 1 » . فإذا صح هذا الحديث ، فإن الآية تقتضي اعتقال لسانه إلّا عن ذكر اللَّه والتسبيح ، مما يكون وجه جمع معقول بين الأمرين ، واللَّه العالم بحقائق آياته .

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 213 .