السيد محمد حسين فضل الله

336

من وحي القرآن

دائرة شريعته ودينه . قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فكرا في العقل ، وانفتاحا في الروح ، ووعيا في القلب ، وإخلاصا في الواقع ، بحيث تكون القضية في عمق الذات ، لا في سطح العاطفة ، في الآفاق التي تؤكد المضمون في النفس . فَاتَّبِعُونِي في رسالتي التي بلّغتكم إياها ، وفي الشريعة التي أمركم اللَّه باتباعها ، وأراد لكم أن تصوغوا إنسانيتكم في الحياة على صورتها وفي المفاهيم العامة عن الإنسان والكون والحياة ، وفي النهايات المصرية التي تطل بكم على الدار الآخرة ، فإنها ليست شيئا ينطلق من صفتي الشخصية ، ولا من مبادراتي الذاتية ، فإني لا أمثل في موقعي عندكم إنسانا ينتسب إلى عائلة وينتمي إلى مكان ، بل إني أمثل الرسول الذي أرسله اللَّه إليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور ويهديكم إلى الصراط المستقيم ، ويفتح لكم أبواب الجنة بالدعوة إلى طاعته ، ويغلق عنكم أبواب النار بالدعوة إلى البعد عن معصيته ، فكلماتي كلماته ، وأفكاري إيحاءاته ، وطاعتي طاعته ، ومعصيتي معصيته ، والرادّ عليّ رادّ عليه والمنفتح عليّ منفتح عليه ، لأن الرسول - في صفته الرسولية - لا يمثل نفسه ، بل يمثل صاحب الرسالة ، وهو اللَّه ، فإذا اتبعتموني في كل تعاليمه التي أعلمكم إياها ، فإنكم بذلك تؤكدون اتباعه ، وأي حبّ أعظم من الذوبان في طاعة من تحب ، وأيّ إخلاص أكبر من الانحناء أمام إرادته ، فإذا رأى اللَّه منكم هذا الحب الواقعي المتمثل بالعمل الرسالي الخاضع للَّه ورسالاته يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ، لأنه يحب الصادقين المتقين المحسنين الخاشعين ، لأن صدقهم وتقواهم وإحسانهم وخشوعهم له دليل واضح على حبهم له ، وبذلك يمحضهم حبّا بحب . وإذا كان حب العبد للَّه طاعة له ، فإن حب اللَّه للعبد مغفرة له ورضوان ، هذا ما عبرت عنه الآية التالية وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ التي أسلفتم في