السيد محمد حسين فضل الله

329

من وحي القرآن

النتائج الخيّرة ، لأن العمل يختزن في داخله آثاره التي إذا شاهدها على صعيد الواقع فكأنه شاهد العمل نفسه . وليس المراد رؤية صورة العمل التي يتجسد فيها في النهاية بطريقة حسيّة ، ولعلّ هذا التعبير وارد على نحو الجزاء في الدنيا ، مع أنه لا معنى للتجسد في الدنيا ولا واقع له ، ولا التزام به من قبل أحد ، فقد يمكن لنا أن نطلق آيتي الزلزلة على واقع الأعمال في نتائجها على صعيد الواقع الدنيوي كما نطلقها على صعيد الواقع الأخروي . وهكذا نفهم أنّ حضور العمل وتحضيره وارد بأسلوب الكناية ، للإيحاء بعدم نسيانه وعدم الغفلة عنه بمرور الزمن ، بل يجده الإنسان حاضرا أمامه في عملية الإحصاء الدقيقة التي يتضمنها الكتاب ، وربما نستفيد هذا المعنى في قوله تعالى : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : 49 ] ، فإن الظاهر أن المراد حضوره في الوعي من خلال تذكره ، وفي الحساب عندما يقف المرء ليحاسب عليه . وهكذا نلاحظ الاتجاه الاستعمالي نفسه في الحديث عن حرث الآخرة في الدنيا ، فإن المقصود به حصاد النتائج المترتبة على الأعمال الخيّرة على هدى القول المأثور : « إنما يحصد ابن آدم ما يزرع » « 1 » والمثل المشهور : « من يزرع الريح يحصد العاصفة » . وأمّا النور الذي يتمثل في وجوه المؤمنين والمؤمنات ، فقد يكون ثوابا على أعمالهم ، باعتبار أن اللَّه يمنحهم إشراق الوجه والطريق من خلال ما قدموه من عمل ، كما يمنحهم النعيم في الجنة ، بل هو نوع من ألوان النعيم الجمالي التي يتحسس الإنسان لذتها الروحية والمادية في إحساسه بذاته كما يتحسس الجميل في الدنيا لذة جماله ، وليس من الضروري أن يكون ذلك صورة العمل المتجسدة في الواقع . ولعلنا

--> ( 1 ) البحار ، م : 26 ، ج : 72 ، ص : 468 ، باب : 79 ، رواية : 58 .