السيد محمد حسين فضل الله

330

من وحي القرآن

نستوحي ذلك من قولهم - في ما حكاه اللَّه عن حديثهم معه - رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا [ التحريم : 8 ] ، فكأنهم يستزيدون ثواب العمل بزيادة النور الذي هو مظهر ذلك ، ولو كانت المسألة مسألة صورة العمل ، لكان هذا النقصان طبيعيا ناشئا من الواقع المادي للعمل الذي يستتبع صورته العادية بشكل طبيعي . وخلاصة الكلام ، أن فكرة تجسيد العمل لا تتناسب مع طريقة التعبير البلاغي للأسلوب القرآني ، كما أنها من الأفكار التي لا دليل عليها من الواقع الإنساني على هدى الحديث عن « صورة دنيوية للعمل ، هي التي نراها ، وصورة أخروية كامنة في باطن ذلك العمل . وفي يوم القيامة ، وبعد أن تكون قد طرأت عليه تحوّلات كثيرة ، يفقد صورته الدنيوية ، ويظهر بصورته الأخروية ، فيبعث على راحة فاعله وسكينته ، أو شقائه وعذابه » « 1 » . إنّ مثل هذا الكلام ، لو كان صحيحا على مستوى كونه أمرا ذاتيا للعمل بحيث تكون له صورة داخلية كامنة في ذاته ، لكان له ظهور في واقعه الحركي الذي تتمثل فيه صورة أعماله في ذاتياتها الطبيعية ، بحيث يحسها الإنسان في وجوده ، ولكننا لا نرى لذلك أثرا عنده إلا بلحاظ نتائجه السلبية أو الإيجابية في الحاضر والمستقبل ، أو بلحاظ ذكرياته الذهنية ، ليعيش إيحاءاته في الصورة التي يتذكرها من خلال الإحساس بآثاره . ومن الطريف أن القائل بهذا القول يرى - بناء على ذلك - « أن أعمال الإنسان - وهي مظاهر مختلفة من الطاقة - لا تفنى بموجب قانون بقاء « المادة / الطاقة » وتبقى أبدا في هذه الدنيا ، على الرغم من أن الناظر السطحي يظنها قد تلاشت » . إن هذا النوع من الاستنتاج يقترب من الخيال الذهني ، لأن قصة « بقاء المادة / الطاقة » قد تكون في جانبها الجوهري الحسي الذي يختزن الطاقة

--> ( 1 ) تفسير الأمثل ، ج : 2 ، ص : 340 .