السيد محمد حسين فضل الله
315
من وحي القرآن
ولكننا نحاول - في التعليق على هذا الرأي - التفريق بين الخلافات الفكرية التي لا تترجم خلافا في المواقف العملية ، بل تعبّر عن بعض القضايا العامة والخاصّة التي تمثّل نظرة معيّنة في تفسير أو تحليل حقيقة فلسفية أو اجتماعية أو سياسية أو نفسية ، وبين الخلافات الفكريّة التي تتصل بالجانب الروحي والفكري والعملي للإنسان ، حيث تتمثل في الصراع المتحرك في جميع الاتجاهات بحيث يترك تأثيره على الفكر والشعور والممارسة ، وفي التفاعل الشعوري بين الذات والفكرة ، بحيث تتحول الفكرة إلى جزء حيّ من الذات يحمل معنى القداسة في ما توحي به من رموز مقدسة تحمل معنى الرفض الحاسم للرموز الأخرى ، بحيث لا يمكن لها أن تلتقي في الموقع الواحد ، بالإخلاص لكل الرموز ، أو بالإخلاص لرموز معين مع التساهل في طبيعة الموقف من الرمز الآخر . . . وذلك كما هي الحالة في قضية الإيمان والكفر ، أو التوحيد والشرك ، فإن الإيمان يمثل الارتباط باللَّه في حضور فكري وروحي خاشع عميق ، بينما يمثّل الكفر النفي الحازم للفكرة ، في استهانة بكلّ ما تمثله من معان وقيم ، كما أن التوحيد يعني فكرة الإله الواحد الذي لا شريك له . ولا بد من أن تكون العبادة له وحده ، كنتيجة طبيعيّة لكون الإيمان به وحده . أمّا الشرك ، فهو الذي يمثّل الإخلاص لفكرة الصنميّة في العقيدة ، أو في العبادة . . . وهكذا في الأفكار الأخرى المشابهة في الحقول الأخرى ، كفكرة العدل والظلم ، أو الحريّة والعبودية ، أو الاستقلال والاستعمار ، فإن مثل هذه الخلافات تفرض التزاما يحمل معنى التحدي للفكر أو للواقع الذي يمثّله ، والتحرك الصارخ في هذا الاتجاه ، مما يقتضي أن يعيش أصحابها مستوى كبيرا من التوتر الروحي للفكرة ليتحقق لهم الارتفاع على الضغوط الكبيرة التي يواجهونها .