السيد محمد حسين فضل الله

314

من وحي القرآن

إن الآيات - في ما نفهم - تريد أن تقرر للمؤمنين قضية ترتبط بحقيقة الإيمان ، وهي أن الإيمان لا بد من أن يتحوّل إلى موقع يحكم الفكر والعاطفة والسلوك ، لئلا يبقى مجرّد فكرة تعيش في زحام الأفكار الراقدة في ذهن الإنسان من دون أن تمثّل أيّ حضور وجداني في حياته الشعورية والعاطفية . وفي ضوء ذلك ، نتعلم أن الفكرة التي تتحول إلى إيمان ، تعني انطلاق الشخصية الإنسانية في خطّ الفكر في إيجابياته وسلبيّاته ، في مواقع اللقاء ، وفي مواقع الافتراق ، بحيث تتحرك النظرة إلى الأحداث والأشخاص والعلاقات ، تبعا لحركة الفكرة في مسارها الواقعي ، فلا معنى - في هذا الجو ، للشعور العميق الشخصي بالمودة والموالاة للأشخاص الذين يمثّل فكرهم وشعورهم وسلوكهم التحدي المضاد للفكرة ، أو للحالة النفسيّة المعقّدة سلبيا إزاء الأشخاص الذين يعيشون في حياتهم الفكرية والعاطفية والعمليّة ، الخط المستقيم مع الفكرة . إن المدلول الطبيعي لهذا السلوك ، هو اعتبار الصفات الذاتية التي يملكها هذا الشخص في الجانب الإيجابي أو السلبي ، هي الأساس للتقييم والتفضيل والاندماج بعيدا عن الجوانب الإيمانية التي لا تمثل إلّا شيئا شخصيا يعيش في زاوية ساذجة من زوايا الشخصيّة ، بحيث لا تترك أيّ تأثير على طبيعتها ونوعيتها . وهذا ما يحاوله الكثيرون في هذا العصر ممن يعملون على أن يعزلوا العلاقات الإنسانية عن الجوانب العقيدية للإنسان ، فيقررون المبدأ الذي يقول : إن اختلاف الأفكار والمبادئ لا يمنع من إقامة أيّة علاقة طبيعية حميمة يسودها الودّ والإخلاص . وقد عبر أحد الشعراء عن هذا الاتجاه بقوله : « اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضيّة » .